ايكون نيوز
يتوجه الإسرائيليون بعد غد، الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء الكنيست السادس والعشرين، في سباق تُطرح فيه 38 قائمة على 120 مقعداً، وسط استعدادات لاستقبال أكثر من 7.3 ملايين ناخب. وهذه المرة الأولى منذ 38 عاماً التي تُجرى فيها انتخابات في موعدها الدستوري، بعد أن شهد الكيان منذ 1988 ما لا يقل عن 14 سباقاً انتخابياً، أربعاً منها خلال ثلاث سنوات ونصف فقط، في إشارة إلى أزمة شبه مزمنة تعيّن على منظومة الحكم فيها.
الاسم الأبرز في السباق يظل بنيامين نتنياهو، أطول الرؤساء بقاءً في السلطة منذ نحو عقد وسبعة أعوام، وهو أول رئيس وزراء يُحاكم وهو في المنصب بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، في محاكمة استمرت أكثر من خمس سنوات وشملت عشرين جلسة أمام قفص الاتهام. وقد طلب رسمياً عفواً عن نفسه بحجة أنه يصب في المصلحة العامة، ويتطلع في الوقت نفسه إلى ولاية جديدة تمنحه حصانة ومساراً لتجميد الملف القضائي. لكن ثلاث سنوات من الحروب على غزة ولبنان وإيران تركت منقدين داخليين يتهمونه بعدم تحقيق أهدافه الحربية التي واضعها بنفسه، فضلاً عن محاولات حكومته تقليص سلطة القضاء التي أثارت احتجاجات من الأكبر في تاريخ الكيان.
أمامه يرتفع منافس من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها: غادي آيزنكوت، الذي استقال من حكومة الحرب عام 2024 ثم أسس حزب "يشار" عام 2025 وأصبح من أشرس منتقدي قيادة نتنياهو. وتضع آخر الاستطلاعات التلفزيونية حزبه في الصدارة بنحو 22 مقعداً مقابل 19 إلى 20 للليكود، وتمنح كتلته الساعية لإزاحة نتنياهو تقدماً يتأرجح بين مقعدين وستة مقاعد. استطلاع آخر منحه 54 مقعداً لكتلة التغيير مقابل 48 لكتلة رئيس الوزراء، فيما رسمت استطلاعات الجمعة معسكر آيزنكوت بين 52 و56 مقعداً ومعسكر خصمه عند نحو 50 مقعداً في جميعها. وقد منعت لجنة الانتخابات نشر أي استطلاع جديد منذ نهاية الجمعة الماضية حتى إغلاق الصناديق، فتجمّد المشهد عند هذه الأرقام الأخيرة.
والمفارقة أن الرقم الحاسم في المعركة، وهو 61 مقعداً لفوز الأغلبية، لا يراه أي من المعسكرين ضمن حصيلة مؤكدة. فتقول التقديرات إنه لا يُنتظر أن يتمكن أي من الطرفين من تأمين أغلبية حاكمة من دونه الآخر، ما يترك ثلاثة سيناريوهات: حكومة تضم المتنافسين، أو ائتلاف بديل يحظى بدعم الأحزاب العربية، أو الانتقال إلى انتخابات جديدة قريبة، وهو الاحتمال الذي يعتبره باحثون كاذباً للباب أمام جولة أخرى من العجز عن تشكيل الحكومة.
هنا يستحق الصوت العربي التوقف الطويل. فالأكثر من خمسة عشر مقعداً محتملة للحضور العربي تجعل من يريد تشكيل حكومة مضطراً إلى طرق باب العرب، وترصد استطلاعات احتمال ارتفاع نسبة مشاركتهم إلى ما بين 62 و63 بالمئة، وهي نسبة تكفي وحدها لإعادة رسم موازين القوى وتحديد فرص تشكيل الحكومة. وتتوقع استطلاعات حصول القائمة المشتركة على ما بين سبعة وثمانية مقاعد، مقابل نحو خمسة للقائمة العربية الموحدة. لكن هذا الوزن يقابله عداء صريح: قطاعات من اليمين تطالب بمصادرة حق المواطنين العرب في الحضور ومنع ممثليهم من أي دور في تشكيل الحكومات، في مفارقة تكشف حدود نظام سياسي يقوم على التمييز القومي ثم يبحث عن أصوات المميَّزين حين يزحف الجمود إليه.
والحقيقة التي ينبغي أن يقف عندها القارئ العربي أن السباق، بكل ما فيه من تحولات، لا ينبض بتناقض الحق: فالمعسكران يتفقان في التنكر للحقوق الفلسطينية، ويتبنّى كلاهما مواقف اليمين المتطرف في ملف القضية، بضم أكثر من 60 بالمئة من الضفة المحتلة وتعزيز الاستيطان عليها. فالتغيير المُعلَن هو تغيير في وجوه الإدارة ونمط تمثيل الأزمة، لا في بنية الاعتبار نفسها التي تقوم على مصادرة أرض وشعب. لذلك فإن إزاحة نحو 7.3 ملايين صوت أنصارها هم أنفسهم الذين واظبوا على تفجير ما صُنع من حروب وأزمات على غزة ولبنان وإيران، وهذا الانهيار في الثقة العامة الذي وصفه المحللون بأنه عشية الانتخابات، يؤكد أن أول من يُسأل عن الحرب هم مستفيدوها من داخل المنظومة نفسها.
عند العاشرة مساء يوم الثلاثاء تُعلَن استطلاعات الخروج فور إغلاق الصناديق، لكنها تظل تقديرات أولية، فيما تمتد عمليات الفرز النهائية حتى الرابع من تشرين الثاني. وسيظل ما بين العاشرة والرابع من الشهر فترة موازين موزونة: فما لم تسقط الأغلبية من أول محاولة، عادت أوراق اللعب إلى بيوت حزبية صغيرة، وربما إلى نفس ورقة الصندوق العربي الذي يحاول البعض أن يمحو اسمه من معادلة الحكم حين ينتصر اسمه فيها. لكن مهما كانت الحصيلة، تبقى العبرة التي لا تتغير: انتقال مصدري أزمة الكيان إلى وجوه أخرى لا يغيّر شيئاً في معادلة الظلم، ولا يخفي عن أحد أن ما يُسمى صراعاً داخلياً على السلطة لا يغيّر الحصيلة الفلسطينية، وأن الحصيلة الأليمة التي دام الحساب عليها يستحق رحمة تنتظر الحسم من داخله لا من صندوق اقتراع.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :