كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع Icon News
في أسبوع واحد، ارتفعت أصوات من يُسمَّون بالسياديين إلى أقصى درجاتها احتجاجًا على شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر. توالت البيانات والمواقف، وطُرحت المطالبة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي، بل بمقاطعة مجلس الوزراء، حتى بدا كأن مصير الوطن كله معلّق على هذه القضية. لكن حين أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تهنئته جهازي الاستخبارات التركي والسوري على ما وصفه بعملية نفّذها «أبطال مجهولون»، إثر اختطاف رجل من منزله في المنصورية ونقله إلى دمشق، خفتت الأصوات نفسها، وغابت البيانات والمواقف. هكذا تُقاس السيادة أحيانًا بالديسيبل: ضجيجٌ مرتفع في قضية، وصمتٌ مطبق في أخرى.
فما الذي يجعل شاحنة المتفجرات محور هذا الاستنفار، فيما لا تستدعي عمليةٌ أجنبية على الأراضي اللبنانية موقفًا مماثلًا؟ لا يستقيم هذا التفاوت مع مبدأ السيادة؛ فالمعيار الواحد يقتضي رفض كل ما يقع خارج سلطة الدولة، سواء أكان سلاحًا غير خاضع لقرارها، أم تدخلًا أمنيًا أجنبيًا وانتهاكًا لحرمة أراضيها. أما إذا كان الموقف يتبدّل بحسب الحسابات الحزبية والسياسية، فذلك لا يعكس تمسّكًا بالسيادة، بل انتقائيةً في استخدامها. فالسيادة لا تُجزّأ: إما أن تكون مبدأً يُدافَع عنه في كل انتهاك، وإما أن تتحوّل إلى شعار يُرفع حين يخدم الخصومة ويُخفض حين يفرض كلفة سياسية.
وليس التناقض محصورًا بهذا الملف. ففي مسار المفاوضات، تتكرر الجلسات فيما يضيف العدو شروطًا جديدة في كل مرة، من دون أن يلتزم بندًا واحدًا مما تعهّد به. ومع ذلك، لا نسمع من بعض من يرفعون شعار السيادة موقفًا يوازي صخبهم في قضية الشاحنة. كأنهم جعلوا من شاحنة المتفجرات لازمةً لحفلة زجل سياسية، يكرّرونها كلما أرادوا تصعيد النبرة، فيما يتراجع الصوت حين يكون المطلوب مساءلة العدو عن شروطه المتزايدة وعدم تنفيذه التزاماته. والسيادة، إن كانت مبدأً لا أداةً للمناكفة، تقتضي تسمية الوقائع ومحاسبة المسؤولين عنها، أيًّا تكن الجهة التي تنتهكها.
والقضية لا تخصّ السياديين وحدهم. فالبلد يواجه انتهاكاتٍ وضغوطًا متزايدة، فيما تبدو الدولة عاجزة عن فرض قرارها أو حماية مواطنيها. استخبارات أجنبية تنفّذ عمليات على أرضه، وملفات أمنية وقضائية عالقة، ومفاوضات لا تُفضي إلى إلزام الطرف الآخر بما تعهّد به. وفي الوقت نفسه، تؤجّل الحكومة البتّ في ملفات العدالة، ولا تقدّم خطة واضحة لمواجهة التحديات المقبلة في الجنوب، فيما يستمر الاحتلال في تدمير القرى وإحراق الأحراج والحقول، بما يعرقل عودة أهلها. فالسيادة ليست بياناتٍ ولا رايات؛ إنها قدرة الدولة على حماية الأرض والناس وفرض احترام التزاماتها.
أما في الداخل، فقد بلغ التقصير حدًّا يلمسه المواطن في منزله قبل أن يقرأ عنه في الصحف. فالمعلّمون المتعاقدون لم يتقاضوا رواتبهم عن العام الماضي، والدراسة في المدارس الرسمية لم تنتظم، وموظفو القطاع العام يتجهون إلى إضراب يومين أسبوعيًا، فيما تقطع كهرباء لبنان التيار عن إدارات الدولة المتخلّفة عن سداد مستحقاتها. دولةٌ تُلزم المواطن بتسديد فاتورته، ثم تعجز عن تسديد فواتيرها، تعلن عجزها بنفسها.
والشتاء على الأبواب، والأعباء المعيشية تتزايد. ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، يُباع المازوت في لبنان بأسعار تثير أسئلة مشروعة عن أثر التلاعب والتسعير غير المنضبط والتهريب، وعن حجم الرقابة على الأسواق. فإذا كانت الأسعار العالمية تبرّر جانبًا من الارتفاع، فما تفسير ما يتجاوز ذلك؟ ولا تنفصل هذه الأزمة عن سياسةٍ ضريبية تثقل كاهل المواطنين، فيما تعجز الحكومة عن تأمين الكهرباء والخدمات والعدالة. عائلة من خمسة أفراد تحتاج إلى نحو 1500 دولار شهريًا، وتحويلات المغتربين من الخليج تراجعت، ووزير الاقتصاد يحذّر من ثورة اجتماعية، فيما تواصل الحكومة دراسة الملفات بدل حسمها.
السيادة موقفٌ متكامل: رفضٌ لكل انتهاك، ومفاوضاتٌ تُفضي إلى التزام لا إلى شروطٍ إضافية بلا تنفيذ، ودولةٌ تحمي أرضها وأهلها وتؤمّن لهم مقومات العيش بكرامة. أما من يرفع الصوت في ملف، ويخفضه في آخر، فليصارح الناس: أيدافع عن سيادة وطن، أم يوظّف شعارها في خصومة سياسية؟ فالتاريخ لا يقيس المواقف بعلوّ الميكروفونات، بل بوضوحها واتساقها؛ وسيسأل عمّن تكلّم حين كان الكلام مطلوبًا، وعمّن صمت حين صار الصمت مكلفًا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :