الانتخابات الإسرائيلية والانتحار البطيء

الانتخابات الإسرائيلية والانتحار البطيء

تقترب المعركة الانتخابية الإسرائيلية من نهايتها في ظل ما يشبه التعادل بين المعسكرين الرئيسيين المنطلقين من مبدأ مع أو ضد نتنياهو. وخلافاً للمعارك السابقة التي كانت الصراعات فيها تتخذ بُعداً شخصياً أو حزبياً أو حتى أيديولوجياً، فإن هذه المعركة يُنظر إليها على أنها وجودية. وكثر في هذه المعركة استخدام تعابير تشير إلى، أو تحذر من، خطر زوال إسرائيل، مثل "خراب الهيكل الثالث". وقد سبق لنتنياهو نفسه أن أشار إلى أنه منع بحربه زوال إسرائيل، كما أن الرئيس الأميركي نفسه استخدم هذه الإشارة ومنح نفسه الفضل في بقاء إسرائيل. ودخل على الخط زعيم "معاً" نفتالي بينت، وحتى نبي الغضب الجنرال إسحاق بريك.

 
ورغم أن هذه هي الصورة العامة للمعركة الانتخابية، خصوصاً بعد سنوات من حكم "الائتلاف الطبيعي" – حسب نتنياهو – بين الليكود وحزب بن غفير والصهيونية الدينية برئاسة سموتريتش والحريديم وشاس، فإن الصراع داخل هذا المعسكر على أشده. وهكذا، بعد أشهر العسل بين نتنياهو وبن غفير، صار الليكود يرى في "عوتسما يهوديت" خطراً يهدد حكمه من خلال سعي الأخير لاكتساب مكانة مركزية بـ15 مقعداً والمطالبة بوزارة الدفاع. كما أن نتنياهو، بعد أن لاحظ تراجع مكانة حزبه، صار يشهر سلاحه في وجه حتى "حلفائه الطبيعيين"، مثل الحريديم وشاس. وقد وجّه نتنياهو والصهيونية الدينية أشد سهامهما إلى حزب فينتر، باعتباره ينافسهما على أصوات اليمين الديني والقومي.
 
كما أن المعسكر المقابل، الذي يضم "يشار" آيزنكوت و"معاً" بينت ولابيد و"إسرائيل بيتنا" ليبرمان، يشهد داخله صراعاً لا يقل حدة، ليس فقط على الزعامة، وإنما أيضاً على صورة الحكومة المقبلة وغاياتها. وتقريباً في كل يوم يظهر الصراع على رئاسة الحكومة المقبلة بين آيزنكوت وبينت وليبرمان، حيث يرفض الأخيران حتى الآن قبول فكرة ترؤس رئيس أكبر حزب للحكومة المقبلة.
 
وبين هؤلاء وأولئك، تحاول الكتلة العربية حشد قوة تسمح لها بأن تلعب دوراً مركزياً في الإطاحة بحكم "الائتلاف الطبيعي" لليمين المتطرف. كما تحاول أحزاب يمينية مثل "شعبك إسرائيل" بزعامة العقيد فينتر و"الاحتياطيون" بزعامة هيندل، وحتى "أزرق أبيض" بزعامة غانتس، تجاوز نسبة الحسم ولعب دور بيضة القبان بين المعسكرين. ولذلك، فإن نسبة الحسم وقدرة الأحزاب الصغيرة على تجاوزها تلعبان، إلى جانب نسبة التصويت العامة، دوراً حاسماً في غلبة هذا المعسكر أو ذاك.
 
وتحاول كتل بكاملها تعزيز مكانتها التفاوضية بعد ظهور النتائج، من خلال الإعلان عن أنها ليست في جيب هذا المعسكر أو ذاك، كما فعلت القائمة العربية المشتركة. كما أن الكتلة الحريدية، وخصوصاً يهدوت هتوراه، وبعد تجربتها المريرة مع الليكود ونتنياهو، تحاول إشاعة أنها ليست جزءاً نهائياً من معسكر نتنياهو، وأنها منفتحة على الآخرين. ويرى كثيرون بين الحريديم في زعيم "يشار"، آيزنكوت، شخصاً عسكرياً مستقيماً ويمينياً تقليدياً، بعكس نتنياهو، وأنه القادر على بلورة مشروع تجنيد يحفظ للحريديم مكانتهم ويحل الأزمة القائمة، والتي تهدد بتفجير الدولة العبرية.
 
ويرى خبراء في المعارك الانتخابية الإسرائيلية أن المتنافسين لم يدخروا هذه المرة أي وسيلة لتحطيم الآخرين. وقد تم استخدام الحرب و7 أكتوبر ومكانة إسرائيل الدولية وعلاقاتها مع أميركا ومستقبل وجودها في الإقليم، فضلاً عن المكونات الداخلية كالاقتصاد والهوية اليهودية والديمقراطية والسلم الداخلي، كعناصر مهمة في الدعاية الانتخابية. ولكن من الواضح أن مستوى الاستقطاب الداخلي بات من الشدة بحيث إن انقلاب الصورة ليس حاسماً. فالصراع جرى ويجري أساساً بين مكونات اليمين، والتي لا يُعتبر الخلاف الداخلي بينها وجودياً كما يُشاع. لكن واضح أيضاً أن الخلاف بين المكون اليميني الساحق في إسرائيل وخصومه الفعليين هو الخلاف الساحق. ولذلك، نرى أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يحاول من الآن بلورة صيغة تمنع إعادة الانتخابات وتسمح بتشكيل حكومة تضم القوى الرئيسية من المعسكرين.
 
ويعود جانب من محاولة هرتسوغ هذه إلى الاعتقاد السائد بأنه لا ينبغي تسهيل بقاء الحكومة الحالية، والتي يلعب فيها بن غفير وسموتريتش دوراً مركزياً، ولا ينبغي السماح باضطرار أحزاب صهيونية للتحالف مع الكتلة العربية لتشكيل الحكومة المقبلة. غير أن هذه المحاولة سوف ترتكز إلى نتائج فعلية، وليس إلى توقعات مبنية على استطلاعات رأي سبق أن أخفقت في إثبات نفسها. على أن الكثير من الأمور يعتمد فعلاً على نسبة التصويت، والتي قد تسمح لأحزاب بأن تتجاوز نسبة الحسم أو تفشل، ما يحدد حجم كل معسكر فعلياً.
 
ويعتقد العرب، الذين يشكلون حوالي خُمس سكان الدولة العبرية، بلعب دور مركزي هذه المرة من خلال حث جمهورهم على التصويت بكثافة تحت شعار إسقاط نتنياهو واليمين الفاشي. واستشعر العرب خطر ائتلاف نتنياهو من خلال تطرف مواقف الحكم وأدواته ضدهم في الحياة العامة والخاصة، عبر محاولات بن غفير وسموتريتش مثلاً كسب الأصوات اليهودية على حساب معاناتهم. وما انتشار الجريمة والقتل في الوسط العربي ومحاولة سموتريتش نقل تجربة ترويع القرى في الضفة الغربية إلى قرى الجليل بقصد تهويدها. كذلك، فإن العدوانية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خصوصاً والمحيط العربي عموماً تلعب دوراً في تشجيع العرب على تكثيف تصويتهم ومحاولة إسقاط حكومة نتنياهو. وإذا ما تساوت نسبة التصويت العربي مع التصويت اليهودي، فبوسع العرب كسب ما لا يقل عن 15-20 مقعداً في الكنيست، إذ تراجعت نسبة تصويت العرب لأحزاب صهيونية أو يهودية بدرجة كبيرة في العقدين الأخيرين. وهذا ما يجعلهم الكتلة الثانية أو الثالثة في الكنيست، حيث يصعب تجاهلها.
 
كما أن الكتلة الحريدية (يهدوت هتوراه وشاس)، والتي كانت حتى الآن الأقدر على تجنيد قواها، تنال ما لا يقل عن 15 مقعداً، وهذا يعني أن بمقدورها، كما كانت دوماً، أن تلعب دوراً مهماً يؤثر في تشكيل الحكومة. ومن المؤكد أنه بارتفاع نسبة التصويت، سواء العامة أو العربية، فإن هذه الكتلة ستضطر إما إلى التراجع أو إلى محاولة زيادة نسبة التصويت بين صفوفها. وهذا يتطلب حشد آلاف الحريديم الذين يعيشون في الخارج. وربما أن هذا الاضطرار هو ما يدفع الليكود لمطالبة لجنة الانتخابات بموقف من تمويل وصول عشرات ألوف الإسرائيليين من الخارج للمشاركة في الانتخابات، أو إيجاد طريقة لمنحهم حق الاقتراع في الخارج.
 
وعموماً، ورغم تعاظم المخاطر الخارجية ونظرية الحرب الدائمة والمناطق الأمنية العازلة في محيط الدولة العبرية، وكذلك مخاطر العزلة الدولية وتراجع التأييد الشعبي الأميركي لإسرائيل، فإن الاهتمام الإسرائيلي الداخلي منصب على الانتقام من الفلسطينيين خصوصاً. وتقريباً لا تكاد مخاطر المقاطعة الدولية، رغم اتساعها، تردع الجمهور الإسرائيلي عن انتخاب الأحزاب اليمينية. وتقريباً من بين كل الأحزاب الصهيونية في المعسكرين المتنافسين، لا يوجد سوى حزب الديمقراطيين يعلن قبوله بحل الدولتين. أما باقي الأحزاب فتتنصل من هذا الحل وأشباهه، وهي لا تعرض سوى بقاء الفلسطينيين من دون حقوق وطنية أو التهجير.
 
ولذلك، فإن الاعتقاد بأن نتائج الانتخابات الإسرائيلية يمكن أن تقود إلى تغيير جوهري في الموقف من الحل السلمي أو إنهاء نظرية الحرب الدائمة. فإذا فاز المعسكر الذي يقوده نتنياهو، فإنه في أفضل الأحوال سوف يهدئ من شدة حملاته، ليس بسبب انقلاب قناعاته، وإنما بسبب محدودية قدراته. فالاقتصاد الإسرائيلي لم يدفع حتى الآن ثمن الحرب، لكنه سيضطر قريباً إلى دفعه. وإذا فاز المعسكر المقابل لنتنياهو، فإن ما سبق لمعسكر نتنياهو أن رسخه في السياسة الداخلية والخارجية الإسرائيلية لن يتغير بسرعة، إن لم يكن بسبب قناعة، فعلى الأقل خوفاً من انفجار صراع دموي مع اليمين المتطرف.
 
وعلى طريقة "النوم في العسل"، قلة في إسرائيل تحذر من أن نتائج الانتخابات، مهما كانت، ليست مصيرية فحسب، بل هي كارثية على مستقبل البلاد. فالجمهور الإسرائيلي لا يصوت بناءً على موقف وقراءة عقلانية لواقع ومستقبل، بقدر ما يصوت "من البطن" من دون اكتراث حقيقي بالمعطيات الملموسة. ولذلك، هناك من يرى أن إسرائيل "تقف على منحدر زلق قد يؤدي في نهاية المطاف إلى هزيمة خطيرة اقتصادياً وسياسياً"، ومع تغيير الإدارة الأميركية خلال عامين تقريباً، ربما حتى أمنياً. يجب ألا نتجاهل الخطر، أو نقع في فخّ فكرة "سيكون كل شيء على ما يرام"، أو في وهم إمكانية العيش في اقتصاد مكتفٍ ذاتياً، في ظل ظروف تقشفية. فالتدهور السريع - كارثة سياسية- وهو خيار وارد. ولذلك، لخّص رئيس حزب "معاً"، نفتالي بينت، الوضع بقوله: "إسرائيل في مهمة انتحارية بطيئة".
 
 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي