مدرسة رفيق الحريري… وثيقة في انصاف الرجل والتضحية

مدرسة رفيق الحريري… وثيقة في انصاف الرجل والتضحية

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ICON NEWS

ثمة رجالٌ يصعب قياسهم بالألقاب، لأن ألقابهم أضيق منهم. وقد غدا رفيق الحريري واحدًا من أولئك: رئيسَ حكومة، ورجلَ أعمال، ومؤسِّسَ مؤسسات، ومعلمًا صغيرًا في صيدا ثم معلمًا كبيرًا لوطن بأكمله. ومنذ سقط في الرابع عشر من شباط عام 2005 وسط بيروت التي أعاد بناءها، صار اسمه ساحةً يتزاحم عليها التأويلون: مادّحٌ يستبدّ به، وناقدٌ يستضعفه. وهذه الوثيقة لا تقف في صف المادح ولا في صف الناقد، بل في صف الانصاف وحده، لأن الرجل استحق أن يُقرأ كما كان: تضحيةً سارت على قدمين.


بدأت الحكاية في صيدا عام 1944، في بيت متواضع جمع بين الحاجة والطموح، ومارس فيها التدريس في مدارسها قبل أن يغادر. وكان أن يكون معلمًا أولًا، ففي ذلك توقيعٌ مبكر على مصيره: مدرسة خرجت من مدرسة، ورجلٌ جعل من العلم والبناء وظيفته الأولى قبل أن تصير له السياسة حرفة. ثم دفعته الغربة إلى السعودية في مطلع الستينيات، فبدأ من الصفر كما يبدأ المحرومون، من حساباتٍ لا تشفع وعملٍ لا يملّ منه، حتى غدا من كبار بنّائي الثروة العربية، من دون أن يفقد وطنه من جيده.


لكن الثروة عنده لم تكن غاية، بل وسيلة عودة. عاد يحمل مشروعَ دولة يفهمها بوصفها سكنًا وكرامةً وعرشًا للمواطن، فكان من روّاد اتفاق الطائف، وممول حماسه، وحامل همّه من طاولة المفاوضات إلى طاولة التنفيذ. وتولى رئاسة الحكومة أول مرة عام 1992، حين كانت بيروت جرحًا مفتوحًا ولبنان ديونًا ومآسٍ، فقام بإعادة إعمار العاصمة من الرماد: شوارعَ وشققًا ومرافقَ وواجهةً تحاول أن تنسى الحرب ولا تغفر لها. ولن يوافقنا كلُّ الناس على كل خياراته، فالتجارب الكبرى لا تُدنّ باتفاق الكل، لكن لا يصح أن يُقاس حجم الرجل بعدد خصومه.


وتظل المدرسة الحريرية في العطاء أصدقَ ما ترك. مؤسسةٌ خيرية حملت اسمه أمدّت عشرات آلاف الطلاب بالمنح وسددت بيوتَ العلم أمام الفقراء، ومدارسٌ ترمّمها وتشيّدها من الشمال إلى الجنوب، ومستشفياتٌ ومراكزٌ وترميمُ بيوت، ورواتبُ موظفي دولةٍ أُتيحت أوقات العسر من رجله من غير انتظار شكر. كان يرى أن الدولة يجوز أن تعجز، أما الوطن فلا يجوز أن يعجز، وسدّ هو الفجوة بينهما بيدٍ لم تسأل من هم تبعٌ من حزبٍ أو طائفة.
أما في السياسة، فكان له تصوّر لوطنٍ يتجاوز الإقليمية، وعلاقة بالعالم العربي والعالم كله تُوظَّف لخدمة لبنان لا لخدمة رجل. وعندما راح المناصب تدور في دورة الإمداد الذاتي، وامتحنت السيادةَ صولةُ تمديدٍ أو غيره، اختار الخروج من السلطة عام 2004 مقاومةً من دون تظاهر، وكان ذلك آخر امتحانٍ حيّ له. وبعد أشهر، أجاب الوطنُ عن وفائه بطريقةٍ لم يطلبها: دمُه على أرض بيروت التي أحبها، وشيعته المليونية التي غطت الشوارع وأعلنت أن الشعب يعرف من يتودد إليه ومن يتآمر عليه.


هذه هي التضحية التي تستدعي وثيقة الانصاف هذه. لا ندّعي أن التجربة كانت خالية من أخطائها، فالإعمار حمل أعباءه والسياسة حملت خلافاتها، والنقد حقٌّ يستقيم في كل اتجاه. لكن العدالة تقتضي أن يُذكَر كل شيء معًا: الأخطاءُ بتقويمها، والتضحياتُ بحجمها، ومنعُ أحدِهما الآخر من الحساب غشٌّ في التاريخ. إن إخراج التضحية من الحساب، تحت ذريعة المحاسبة، إفقارٌ للذاكرة الوطنية، وإن إخراج المساءلة من الحساب، تحت ذريعة الوفاء، تقديسٌ يفسد ما أراده الرجل بنفسه.


ومع ذلك، فإن أنصفت أمانة هذه المدرسة، فالوفاء بها لا يُثبت بالصور ولا بالخطاب ولا بالانتساب إلى الاسم. لقد رأينا كيف يتحول الإرث إلى حق انتفاع حين يستدعي بعضهم الغائبَ ليقف شهودَ تزكيةٍ لهم. وهنا نضيف العكس أيضًا: ليس من الإنصاف أن تُعامَل المدرسة بأكملها بميزان خصومها، ولا أن تُمحى تضحيات رجلٍ لم يزد على هذا الوطن إلا وقدّمه كل شيء، حتى آخر ما كان له وهو حياته.


فما هي المدرسة، إذاً، إن لم تكن هذه؟ إعطاءٌ من غير مقابل، ووطنيةٌ من فوق الإقليمية، ودولةٌ تُبنى بالعمل لا تُدار بالشارة، وعلمٌ يُنشر للفقراء قبل الأغنياء، وسقوطٌ على أرض الوطن من غير أن يهرب صاحبُه منه. ومن أراد أن ينتسب إليها، فليقم بمستواها بالعمل أمام الناس، وليقبل أن يُحاسَب كما حاسبوه، فتلك هي الطريقة الوحيدة الصالحة للوفاء بها: ألا تظل مدرسةً حديثًا، وأن تخرّج كل يوم تلاميذًا جددًا.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي