«غراء» جديد للبطاريات… تصنيع أنظف وتدوير أسهل من دون التضحية بالأداء

«غراء» جديد للبطاريات… تصنيع أنظف وتدوير أسهل من دون التضحية بالأداء

مادة رابطة جديدة للبطاريات تمهّد لتصنيع أقل استهلاكاً للطاقة وتدوير أسهل
قد يأتي أحد التحسينات المهمة في تكنولوجيا البطاريات من مكوّن صغير لا يلتفت إليه معظم المستخدمين: المادة الرابطة التي تثبّت مكوّنات الأقطاب معاً.
فقد طوّر باحثون مادة رابطة خالية من الفلور وقابلة للمعالجة باستخدام الماء، في خطوة تهدف إلى تقليل الأثر البيئي لتصنيع بطاريات الليثيوم-أيون، وتسهيل فصل بعض مكوّناتها خلال إعادة التدوير.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications في 9 تشرين الأول، وأُنجزت بالتعاون بين باحثين من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو ومعهد تويوتا للأبحاث في أميركا الشمالية.
ما وظيفة المادة الرابطة؟
تُستخدم المادة الرابطة أشبه بغراء يمسك بمساحيق الأقطاب ويحوّلها إلى طبقة متماسكة تُثبت على رقائق معدنية رقيقة داخل البطارية. وعلى الرغم من أن هذه المادة تمثل جزءاً صغيراً من وزن البطارية، فإنها تؤثر في مراحل التصنيع، وفي متانة القطب، وفي سهولة فصل مكوّناته عند انتهاء عمر البطارية.
وتعتمد صناعة كثير من أقطاب بطاريات الليثيوم-أيون على مادة رابطة فلورية، أبرزها بولي فينيلدين فلوريد (PVDF)، تُعالج عادة باستخدام مذيب عضوي يُعرف باسم NMP. ويتطلب هذا المسار أفران تجفيف كبيرة وخطوات إضافية لاستعادة المذيب وتنقيته، ما يزيد استهلاك الطاقة والكلفة والأثر البيئي لعملية التصنيع.
كما قد تخلّف المواد الرابطة الفلورية بقايا تصعّب فصل المواد المسترجعة خلال التدوير، وتحتاج إلى استخدام درجات حرارة مرتفعة أو مواد كيميائية قاسية لإزالتها.
بوليمران وحمض الستريك
طوّر الفريق البحثي مادة رابطة خالية من الفلور وقابلة للمعالجة باستخدام الماء، بهدف الاستغناء عن المذيب العضوي المستخدم في تصنيع المواد الرابطة التقليدية.
وتتألف المادة الجديدة من بوليمرين هما حمض البولي أكريليك وكربوكسي ميثيل السليلوز. ويساعد البوليمر الأول على انتشار الخليط وتوفير المرونة، فيما يمنح الثاني المادة القوة والالتصاق. ثم يُضاف حمض الستريك لربط سلاسل البوليمرين ضمن شبكة كيميائية أكثر تماسكاً.
وبحسب الباحثين، تجمع هذه الشبكة بين القوة والمرونة والاستقرار، وهي خصائص ضرورية للحفاظ على تماسك القطب خلال عمليات الشحن والتفريغ المتكررة.
ولا تعني قابلية المادة للمعالجة بالماء أنها تظل قابلة للذوبان في الماء خلال كل مراحل استخدامها؛ فالمقصود أن الماء يمكن استخدامه في تحضير الخليط وتصنيع الأقطاب، كما يمكن الاستفادة منه لاحقاً في إزالة المادة الرابطة خلال مرحلة محددة من عملية التدوير.
أداء مقارب للمادة التقليدية
في الاختبارات المخبرية، حققت أقطاب فوسفات حديد الليثيوم المصنوعة بالمادة الرابطة الجديدة سعة أولية مقاربة لأقطاب مرجعية تستخدم مادة PVDF، كما أظهرت استقراراً أفضل خلال دورات الشحن والتفريغ.
وأشارت الدراسة وبيان الجامعة إلى أن المادة أظهرت توافقاً مع أكثر من نوع من مواد الأقطاب، بينها أقطاب فوسفات حديد الليثيوم، والأقطاب الموجبة الغنية بالنيكل، والغرافيت، والسيليكون.
لكن هذه النتائج تبقى مرتبطة بالاختبارات التي أجراها الباحثون، ولا تعني تلقائياً أن المادة الجديدة أثبتت تفوقها في جميع أنواع البطاريات أو ظروف التشغيل. كما لا تثبت وحدها اعتمادها في خطوط إنتاج تجارية واسعة النطاق.
فصل أسهل خلال إعادة التدوير
برزت الفائدة الأخرى للمادة الجديدة في مرحلة إعادة التدوير. فقد فكك الباحثون خلايا بطاريات ضمن إجراءات مخبرية، واستخدموا الماء لإزالة المادة الرابطة وفصل طلاءات الأقطاب عن الرقائق المعدنية.
بعد ذلك، أعادوا تأهيل المواد المسترجعة واستخدموها في تصنيع أقطاب جديدة ضمن عملية تعرف باسم التدوير المباشر. وأظهرت البطاريات المصنوعة من المواد المسترجعة أداءً مماثلاً، وفق الاختبارات، للبطاريات المصنوعة من مواد جديدة.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن البطارية الكاملة يمكن تدويرها بمجرد غمرها في الماء. فإعادة تدوير البطاريات تتطلب أولاً تفريغها وتفكيكها ومعالجة مكوّناتها ضمن إجراءات متخصصة تراعي مخاطر الحريق والمواد الكيميائية. ويتعلق الاستخدام المائي هنا بمرحلة محددة هي فصل المادة الرابطة وطلاء القطب عن الرقاقة المعدنية.
انخفاض في الطاقة والانبعاثات
أظهر تحليل دورة الحياة الذي أجرته الدراسة انخفاضاً في استهلاك الطاقة والانبعاثات مقارنة بمسار إعادة تدوير بطاريات تستخدم مادة PVDF.
ويرتبط هذا الانخفاض، وفق الباحثين، بإمكان استخدام الماء بدلاً من المذيبات العضوية في التصنيع، وتسهيل إزالة المادة الرابطة خلال إعادة التدوير، وتقليل الحاجة إلى درجات حرارة مرتفعة أو مواد كيميائية قاسية في بعض مراحل معالجة الأقطاب.
لكن نتائج تحليل دورة الحياة تظل مرتبطة بالافتراضات والمسارات التي اعتمدتها الدراسة للمقارنة، ولا تعني بالضرورة أن كل مصنع أو خط إنتاج سيحقق النتيجة نفسها من دون تقييم مستقل للمواد والطاقة وظروف التشغيل.
الخطوة التالية: التوسع الصناعي
لا يزال الانتقال من المختبر إلى الإنتاج الصناعي خطوة لاحقة. ويعمل الفريق البحثي على توسيع إنتاج المادة وتحسين توافقها مع تركيبات مختلفة للبطاريات، تمهيداً لإمكان تسويقها بالتعاون مع شركاء صناعيين.
لذلك تمثل النتائج تقدماً بحثياً واعداً في مجال تصنيع البطاريات وإعادة تدويرها، لكنها لا تثبت بعد انخفاض أسعار البطاريات التجارية أو اعتماد المادة الجديدة على نطاق واسع.
والأهمية الأساسية للابتكار لا تكمن في «غراء» جديد فقط، بل في محاولة معالجة مشكلتين في آن واحد: تقليل الاعتماد على مذيبات ومواد فلورية خلال التصنيع، وتسهيل استعادة مواد الأقطاب عند انتهاء عمر البطارية.
فإذا نجحت هذه المادة في اجتياز اختبارات التوسع والاستقرار والتوافق مع خطوط الإنتاج، فقد تساهم في جعل دورة حياة البطارية أقل استهلاكاً للطاقة وأسهل من حيث استعادة مكوّناتها. أما في المرحلة الحالية، فالأدق وصفها بأنها تقنية مخبرية واعدة لم تثبت جاهزيتها التجارية الكاملة بعد.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي