تقرير خاص
Icon News
لعقود طويلة، كانت العلاقة بين بيروت ودمشق علاقة نفوذ قبل أن تكون علاقة جوار. وحين سقط النظام السابق في سوريا نهاية 2024، لم يتغير شكل السلطة في العاصمة المجاورة فحسب، بل تغيّر السؤال الذي تدور حوله العلاقة كلها: كيف تُبنى شراكة بين دولتين بعدما انتهى زمن الوصاية وبقيت الجغرافيا؟
ملفات ثقيلة على طاولة واحدة
تتصدر الحدود قائمة الملفات. فالحدود البالغ طولها 375 كيلومتراً ظلت طويلاً معبراً للتهريب بأنواعه، ولم تُرسَّم بالكامل بعد، فيما تؤدي السعودية دور الوسيط في محادثات تحديدها. وقد وقّع وزيرا الدفاع في البلدين اتفاقاً في جدة في آذار 2025 بعد اشتباكات حدودية أودت بضحايا. لكن مراكز الأبحاث ترى أن المسائل الأكثر حساسية لا تزال متعثرة، لأن ترسيماً فعلياً يعني آليات تطبيق ومراقبة وضوابط جمركية وقيوداً على الشبكات غير الرسمية التي عملت عبر الحدود تاريخياً، مع ما يحمله ذلك من تبعات استراتيجية على المجموعات المسلحة.
وفي الملف الإنساني والقضائي، وُقّع في شباط 2026 اتفاق لنقل السجناء السوريين إلى بلادهم، وكان مطلباً أساسياً لدمشق. أما ملف اللاجئين فتتفاوت أرقامه بحسب المصدر: فقد تحدثت الحكومة اللبنانية في كانون الثاني الماضي عن عودة أكثر من خمسمئة ألف لاجئ، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن أكثر من مليون لا يزالون في لبنان، وأن كثيرين غادروا منذ عادت إسرائيل إلى شنّ هجمات واسعة على لبنان في آذار. وتطالب دمشق في المقابل بإعادة ودائع السوريين العالقة في المصارف اللبنانية منذ الانهيار المالي عام 2019.
الاقتصاد: العلاقة التي تحتاج إلى إعادة ضبط
يقول وزير الاقتصاد اللبناني عامر بساط إن هذه العلاقة قد تكون الأهم لكلا البلدين، وإنها تحتاج إلى إعادة ضبط. فحجم التبادل التجاري كان عند ذروته يقارب 800 مليون دولار، وبلغ نحو 250 مليوناً في العام الماضي، ويرى الوزير أن الرقم ينبغي أن يُقاس بالمليارات. وبحسب سجلات الجمارك اللبنانية، احتلت سوريا المرتبة الأولى بين وجهات الصادرات اللبنانية في الأشهر السبعة الأولى من 2025 بقيمة 103.4 ملايين دولار، مقابل 70.4 مليون دولار صادرات سورية إلى لبنان.
وتسير الأمور على مسار مؤسسي. ففي الثاني من تموز أُنشئت لجنة عليا لبنانية سورية مشتركة تنسق الشؤون الاقتصادية والتجارية والأمنية والحدودية، وفي منتصف الشهر نفسه وقّعت غرف التجارة في البلدين مذكرة تعاون في دمشق. وتبدأ لجنة خاصة مراجعة أكثر من أربعين اتفاقية ومذكرة تفاهم أُبرمت مع سوريا في عهد النظام السابق، وتشمل أطر الاستثمار والتأشيرات والضرائب. ومن المقرر أن يُعقد مؤتمر استثمار ثنائي في دمشق هذا الخريف، وتُبحث فرص في الكهرباء والبناء والموانئ والسياحة والإسمنت.
الجغرافيا بوصفها ثروة
يعتمد لبنان على الطرق البرية السورية لشحن صادراته إلى الأردن والخليج، وهي شريانه البري الوحيد إلى الأسواق الخليجية، وقد زادت أهميتها مع قرار السعودية استئناف استيراد المنتجات اللبنانية في العاشر من حزيران 2026. وفي المقابل تحتاج سوريا إلى منفذ على المتوسط، وتبدو طرابلس مرشحة لدور كبير. وكانت زيارة وفد وزاري سوري ضخم إلى بيروت في أيلول، ضم ستة وزراء، قد كشفت جدول أعمال واسعاً بحسب تقرير لموقع ليبنانيوز: مشروع ربط مرفأ طرابلس بالشبكة الحديدية السورية بنحو 35 كيلومتراً في لبنان وخمسة في سوريا، والدراسات الأولية تفيد بجدواه التقنية لكن القرار النهائي ينتظر الدراسات الاقتصادية، إضافة إلى مشروع نقل الغاز الأردني عبر سوريا إلى لبنان الذي بلغ مرحلة متقدمة، وتقييم الخطوط الكهربائية تمهيداً لإمداد لبنان بالكهرباء السورية.
غير أن الجغرافيا ليست قدراً مضموناً. فمركز الأبحاث العربي في واشنطن ينبّه إلى أن تشغيل مرفأي طرطوس واللاذقية بكامل طاقتهما قد يقلص اعتماد سوريا على طرابلس، ما يجعل على بيروت وطرابلس أن تحددا دورهما التكاملي بوضوح.
العقبات: بين الخطاب والواقع
تُظهر الوقائع أن الطريق أطول مما توحي به العناوين. فالمطالب اللبنانية المطروحة، بحسب ما أورده ليبنانيوز، تشمل إلغاء نظام الإذن المسبق بين البلدين، ومعاملة جمركية متساوية للبضائع اللبنانية والسورية، ومعاملة الشاحنات اللبنانية في سوريا كما تُعامَل الشاحنات السورية في لبنان. وتدعو دمشق المستثمرين اللبنانيين إلى المشاركة في إعادة الإعمار، لكنها تحمي صناعتها بإجراءات تقول إنها سياسة عامة لا تستهدف لبنان. وقد أقرّ وزير الاقتصاد السوري نفسه بأن الجغرافيا لا تكفي لصنع التكامل، وأنه لا بد من قواعد واضحة ومؤسسات موثوقة ومعابر فعالة ومصارف قادرة على تمويل التجارة.
كما يطرح التقرير سؤالاً ملحاً: ما الذي يعود إلى الاقتصاد اللبناني فعلاً حين يستثمر لبناني رأسماله في سوريا، ولبنان نفسه خارج من انهيار مصرفي ويحتاج إلى تمويل إعماره الذاتي؟ وتقدّر كلفة إعمار الجنوب اللبناني وحده بنحو 11.5 مليار دولار.
ملفات خارج القاعة
يبدو أن الجانبين اتفقا على الفصل بين المسارين: فالوفد الوزاري السوري لم يُكلَّف فتح الملفات الأمنية العالقة، بحسب المصدر نفسه، التي بقيت لفريق وزير الخارجية، ومنها الموقوفون ومسؤولون سابقون. وهذا يعني علاقة بطابقين، طابق ظاهر تتحدث فيه الوزارات عن القطارات والشاحنات والغاز والكهرباء، وطابق أقل ظهوراً تقيم فيه الملفات الأمنية التي قد تعطّل الأول في أي لحظة.
العامل الإقليمي
لا تجري هذه العلاقة في فراغ. فبحسب مركز ستيمسون، تجري مفاوضات موازية بين كل من بيروت ودمشق وإسرائيل، وتسعى إسرائيل إلى الحفاظ على حرية عملياتها في البلدين. وتضع دمشق نفسها مجدداً محوراً إقليمياً للعبور، فيما يأمل لبنان أن يستفيد من إعادة الإعمار والربط الإقليمي. وهذا يعني أن مصير المشاريع الاقتصادية الكبرى يرتبط بما يتجاوز البلدين.
ما المطلوب؟
هذه خلاصات تحليلية لا وقائع منقولة. أولاً، قناة رسمية لبنانية موحدة لإدارة العلاقة، تمنع تعدد الأبواب وتحفظ الاستمرارية بين الحكومات. ثانياً، شفافية في مراجعة الاتفاقيات القديمة، فلا يُبقى منها ما يكرّس علاقة غير متكافئة ولا يُلغى ما يخدم المصلحة. ثالثاً، البدء بما يلمسه الناس والتجار: تبسيط العبور والجمارك والتراخيص، قبل المشاريع الكبرى. رابعاً، حماية رأس المال اللبناني بضمانات قانونية ومصرفية واضحة. خامساً، التعامل مع عودة اللاجئين بوصفها قضية إنسانية وقانونية طوعية وآمنة، لا ورقة مقايضة. وسادساً، اعتبار الترسيم الحدودي أساساً لا تفصيلاً، لأن أي شراكة اقتصادية تبقى هشة ما دامت الحدود نفسها غير محسومة.
الاقتصاد قد يكون أسرع من السياسة في بناء الثقة بين الدولتين، لكنه لا يستطيع أن يحل محلها. فالشاحنة التي تعبر الحدود في ساعتين بدل يومين تخدم العلاقة أكثر من ألف بيان، لكنها تبقى معلّقة بقرار سياسي وأمني قد يتبدل. وبين من يرى في سوريا فرصة إعمار تاريخية ومن يخشى أن تتكرر تجارب الماضي بأسماء جديدة، يبقى المعيار الأوضح هو المصلحة اللبنانية: ما الذي يعود على الناس والخزينة والسيادة من هذه الشراكة؟ وكلما كانت الإجابة مكتوبة بوضوح وشفافية، قلّت مساحة الخوف وكبرت مساحة الثقة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :