ايكون نيوز
خلف أصوات الغارات وأخبار القصف والتوغلات اليومية في الجنوب، ثمة رقم قد يكون أكثر قسوة من كثير من العناوين: نحو 329 ألف شخص لا يزالون نازحين عن منازلهم في لبنان.
الرقم ليس تقديراً إعلامياً. رئيس الحكومة نواف سلام وضعه أمام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال لقائهما في نيويورك في 21 أيلول، مطالباً باستمرار تمويل الاستجابة الإنسانية، ولكن أيضاً بالانتقال تدريجياً من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى العودة والتعافي واستعادة الخدمات الأساسية.
329 ألفاً يعني أن الحرب بالنسبة إلى مئات آلاف اللبنانيين لم تنتهِ عند توقف جولة قصف أو انحسار معركة. إنها مستمرة في منزل مستأجر لا يستطيع صاحبه تحمل كلفته، وفي مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، وفي أرض زراعية تُركت خلف الحدود الملتهبة، وفي قرية قد تكون الطريق إليها مفتوحة لكن شروط الحياة فيها لم تعد موجودة.
والصورة الإنسانية أوسع. الأمم المتحدة كانت قد أحصت نحو 340 ألف نازح حتى 15 أيلول، بينهم أكثر من 15 ألف شخص في مراكز إيواء جماعية، معظمها مدارس رسمية ومرافق تعليمية. وهذا يفسر جزئياً تراجع الرقم لاحقاً إلى نحو 329 ألفاً، لكنه يكشف في الوقت نفسه بطء العودة وصعوبتها.
الأرقام الحكومية تكشف حجم المشكلة بصورة أشد قسوة. سلام قال أمام مجلس النواب إن الحرب الأخيرة أدت إلى تدمير أو تضرر 91 ألف وحدة سكنية كلياً أو جزئياً، تضاف إلى نحو 230 ألف وحدة تضررت خلال الحرب السابقة. كما تحدث عن بلدات وقرى لا يزال أهلها عاجزين عن العودة إلى منازلهم وأرزاقهم.
وهنا تصبح عبارة «عودة النازحين» أكثر تعقيداً من مجرد فتح طريق.
فالعودة تحتاج منزلاً صالحاً للسكن، ومياهاً وكهرباء واتصالات، ومدرسة لأطفال العائلة، وطريقاً آمناً، ومستشفى أو مستوصفاً، وأرضاً يمكن للمزارع الوصول إليها، وفرصة عمل تسمح للعائلة بالبقاء. ومن دون ذلك قد يعود النازح إلى قريته أياماً، لكنه لن يكون قد عاد فعلياً إلى حياته.
ولهذا وضعت الحكومة رفع الأنقاض وفتح الطرق وإصلاح الجسور واستحداث المعابر البديلة واستعادة الخدمات في مقدمة أولويات مرحلة العودة، فيما أطلقت الأمم المتحدة خطة إضافية للفترة بين أيلول وكانون الأول تطلب 385.88 مليون دولار لمساعدة أكثر من 732 ألف شخص، وتشمل المساعدة في الإيجارات وإصلاح المساكن واستعادة الخدمات الأساسية.
لكن خلف كل ذلك سؤال أكبر: من سيموّل إعادة الناس إلى بيوتهم؟
فلبنان يدخل مرحلة التعافي وهو يعاني أصلاً أزمة مالية واقتصادية عميقة، فيما قدّرت الحكومة أن الكلفة الإجمالية للحربين تتجه إلى تجاوز 27 مليار دولار، مع خسائر لا تحصيها الأرقام بسهولة، من هجرة الكفاءات إلى تراجع الاستثمار والسياحة وفرص العمل.
المشكلة إذاً ليست في إدارة 329 ألف نازح، بل في منع النزوح من التحول إلى واقع دائم.
فالجنوب لا يُستعاد بالإعلانات السياسية وحدها، ولا بمجرد القول للناس إن بإمكانهم العودة. استعادته الحقيقية تبدأ عندما يستطيع ابن القرية أن ينام في منزله، ويرسل أولاده إلى مدرستهم، ويزرع أرضه، ويعمل ويعيش من دون أن يحمل حقيبة النزوح جاهزة عند الباب.
عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ يعود إلى بيته.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :