ايكون نيوز
في الوقت الذي تتسع فيه المعارك على الساحل اليمني ويقترب الحوثيون أكثر من مفاصل الملاحة في باب المندب، كانت قناة مختلفة تعمل بعيداً عن الميدان: مسؤولون أميركيون وممثلون عن الحوثيين يجلسون وجهاً لوجه في مسقط.
مصادر متعددة أكدت أن اللقاء عُقد خلال عطلة نهاية الأسبوع داخل السفارة الأميركية في العاصمة العُمانية، بمساعدة من سلطنة عُمان. كما أكدت أسوشيتد برس بصورة مستقلة أن مسقط استضافت اجتماعاً بين ممثلين أميركيين وحوثيين لمناقشة التوتر الإقليمي، فيما أفادت Axios بأن النقاش تناول المحافظة على وقف إطلاق النار الأميركي الحوثي وضمان بقاء باب المندب مفتوحاً أمام الملاحة.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
واشنطن لا تتحدث مع الحوثيين في لحظة هدوء، بل بعدما حققوا أكبر مكاسبهم الميدانية منذ سنوات على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على أراضٍ ومواقع استراتيجية قرب باب المندب، بالتزامن مع هجمات استهدفت السعودية ومنشآتها النفطية. أسوشيتد برس تشير إلى أن التطورات الأخيرة منحت الحوثيين نفوذاً أكبر على الممر البحري الذي تعبر منه نسبة مهمة من التجارة العالمية.
ماذا تريد واشنطن؟
المعطيات المتقاطعة تشير إلى أولوية أميركية واضحة: عدم تحول الحرب اليمنية الجديدة إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة والحوثيين، وإبعاد السفن الأميركية قدر الإمكان عن دائرة الاستهداف.
وبحسب المعلومات المتوافرة عن لقاء مسقط، أكد الحوثيون التزامهم بوقف إطلاق النار الذي توصلوا إليه مع واشنطن عام 2025 وعدم نيتهم استهداف السفن الأميركية. أما الحديث عن تعهدات أوسع تشمل السفن الإسرائيلية أو التجارية الأخرى، فلا يزال مستنداً إلى روايات مصادر ولم يصدر في إعلان رسمي مشترك، ولذلك لا يمكن اعتباره اتفاقاً نهائياً.
الأكثر إثارة أن التحرك الدبلوماسي الأميركي يسير بالتوازي مع موقف عسكري محسوب.
فالولايات المتحدة لم تدخل حتى الآن بصورة مباشرة في الحرب الجديدة إلى جانب السعودية ضد الحوثيين، رغم أنها تؤكد استمرار علاقتها العسكرية بالرياض ومراقبتها التطورات. وفي المقابل، تكشف أسوشيتد برس أن السعودية طلبت مساعدة في الدفاع الجوي من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، وسط ضغط كبير على مخزون صواريخ الاعتراض.
وهكذا تتشكل معادلة شديدة الحساسية:
واشنطن تدعم حليفتها السعودية، لكنها لا تريد حتى الآن فتح حرب أميركية جديدة مع الحوثيين.
وتتحدث مع الحوثيين مباشرة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وتريد حماية الملاحة في باب المندب، فيما تحاول منع ربط الجبهة اليمنية بصورة كاملة بالحرب الأميركية الإيرانية.
السعودية أمام معادلة صعبة
بالنسبة إلى الرياض، يأتي هذا المشهد في توقيت بالغ الحساسية.
الهجمات الحوثية تهدد أراضي المملكة وبنيتها النفطية، فيما أدى استهداف خط الأنابيب السعودي شرق غرب إلى تعطيل جزء أساسي من طريق تصدير النفط البديل عن مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، تتجنب واشنطن حتى الآن الدخول المباشر في المواجهة اليمنية الجديدة.
وهنا تصبح مفاوضات مسقط أكثر من مجرد لقاء أمني.
فإذا نجحت واشنطن في تحييد سفنها وقواتها عن الاستهداف، بينما بقي الصراع الحوثي السعودي مفتوحاً، فإن ذلك يعني عملياً أن الولايات المتحدة تحاول فصل أمنها ومصالحها المباشرة عن إحدى أكثر جبهات الحرب الإقليمية خطورة.
لكن لا توجد حتى الآن أدلة على اتفاق أميركي حوثي شامل أو صفقة سياسية جديدة، ولا إعلان رسمي عن التزامات متبادلة تتجاوز وقف إطلاق النار السابق. الموجود حتى اللحظة هو قناة اتصال مباشرة، وتفاهم تسعى واشنطن إلى المحافظة عليه، ومحاولة لمنع باب المندب من التحول إلى جبهة أميركية إضافية.
إذا كانت واشنطن تفاوض الحوثيين مباشرة عندما تفرض الوقائع الميدانية ذلك، فهل يمكن أن نشهد مستقبلاً قنوات مشابهة في ساحات أخرى مرتبطة بالمواجهة الإقليمية؟
حتى الآن لا توجد معلومات موثوقة تسمح بالإجابة بنعم.
لكن اجتماع مسقط أثبت شيئاً واحداً: في الشرق الأوسط، قد تكون المدافع تعمل في العلن، فيما تعمل قنوات التفاوض في الغرفة المجاورة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :