ايكون نيوز
لم يعد المسار بين لبنان والعدو الإسرائيلي مجرد اجتماعات متفرقة لاحتواء النار على الحدود. ما يجري منذ حزيران تحوّل إلى مسار تفاوضي متكامل، تتداخل فيه ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، حصرية السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش، ومستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية بين الجانبين.
المحطة المقبلة ستكون في واشنطن. فبعد تأجيل الجولة الثامنة التي كان يفترض عقدها في روما إلى تشرين الأول، أكد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن السفيرين اللبناني والإسرائيلي سيلتقيان في واشنطن لمناقشة التطورات ومتابعة تنفيذ اتفاق الإطار الذي ترعاه الولايات المتحدة.
وهنا تبدأ أهمية السؤال: لماذا واشنطن الآن؟
سبع جولات تفاوضية عُقدت حتى اليوم، بينها جولات في روما، من دون اختراق حاسم في القضايا الإقليمية العالقة. وفي المقابل، لا يزال العدو يحتل أراضي لبنانية ويقيم ما يصفه بـ«منطقة عازلة» تمتد، وفق رويترز، لنحو عشرة كيلومترات داخل لبنان على طول الحدود، فيما تستمر الاعتداءات والعمليات العسكرية.
جوهر العقدة يكمن في ترتيب الخطوات.
اتفاق الإطار الأميركي الذي أُنجز في حزيران يقوم على معادلة انسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع حصرية السلاح وانتشار الجيش اللبناني. وظهرت ضمن آلية التنفيذ ما عُرف بـ«المناطق التجريبية»، حيث يجري تطبيق الترتيبات في مناطق محددة قبل توسيعها. وقد زار الرئيس جوزاف عون زوطر الغربية، وهي إحدى المناطق الداخلة في هذه الآلية.
لكن ما يبدو بسيطاً على الورق يتحول في الميدان إلى سؤال بالغ التعقيد: من يبدأ أولاً؟
لبنان يتمسك بأن الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية يجب أن يتوقفا وأن تستعاد السيادة على الأرض، فيما تربط إسرائيل انسحابها بالتقدم في ملف سلاح حزب الله. وبين الموقفين تحاول واشنطن إنتاج خطوات متزامنة تمنع انهيار الاتفاق.
وهنا تصبح تلة علي الطاهر نموذجاً مصغراً للمشكلة كلها. الولايات المتحدة طرحت تسليم التلة إلى الجيش اللبناني ضمن مسار أوسع لحصر السلاح وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله، لكن الحزب رفض، قبل أن تعلن إسرائيل لاحقاً فرض «سيطرة عملياتية» على المنطقة.
المفارقة الأكثر حساسية أن الرئيس عون أعلن من الجنوب عدم وجود مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحاضر، في وقت تؤكد فيه واشنطن استمرار تنفيذ اتفاق الإطار ولقاء السفيرين ثم استئناف مفاوضات روما في تشرين الأول.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض. فالرئاسة تستطيع اعتبار ما يجري استمراراً لمسار قائم وليس إطلاق مفاوضات جديدة. لكن هذا التفصيل يكشف حجم الحساسية السياسية التي تحيط بالملف في الداخل اللبناني.
والأخطر أن المفاوضات لا تجري في فراغ. إسرائيل تواصل فرض وقائع عسكرية على الأرض، بينما يصبح كل موقع تحتله أو تسيطر عليه ورقة إضافية على طاولة المفاوضات. وهنا يبرز الخوف اللبناني الحقيقي: أن يتحول الاحتلال من مشكلة يفترض أن تحلها المفاوضات إلى وسيلة تستخدم لانتزاع شروط خلالها.
في المقابل، حقق المسار بعض النتائج المحدودة. ففي مطلع أيلول أفرجت إسرائيل عن أسير لبناني في عملية توسطت فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ضمن تفاهمات مرتبطة بتنفيذ الاتفاق، فيما بقي ملف الأسرى الآخرين والانسحاب الكامل مفتوحاً.
لذلك فإن اجتماع واشنطن لا ينبغي قراءته كصورة دبلوماسية عابرة بين سفيرين.
ما يُبحث فعلياً هو كيفية الانتقال من اتفاق مكتوب إلى وقائع على الأرض: أين ينسحب الإسرائيليون؟ أين ينتشر الجيش؟ كيف تعالج قضية السلاح؟ من يراقب التنفيذ؟ وما الضمانة بأن يؤدي تنفيذ لبنان التزاماته إلى انسحاب فعلي، لا إلى مطالب إسرائيلية جديدة؟
بالنسبة إلى لبنان، يجب أن تبقى البوصلة واضحة: لا يمكن أن تصبح السيادة مكافأة تمنح للبنان بعد تنفيذ شروط الآخرين. الانسحاب من الأرض اللبنانية ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى ليست أوراقاً إسرائيلية للتفاوض عليها، بل حقوق لبنانية ينبغي أن تشكل أساس أي مسار تفاوضي.
واشنطن تريد إبقاء الاتفاق حياً، وروما تنتظر الجولة المقبلة، وإسرائيل تحاول تحسين موقعها من الميدان، فيما يقف لبنان أمام أخطر اختبار: أن يستخدم التفاوض لاستعادة أرضه وسيادته، لا أن تتحول أرضه المحتلة إلى ثمن يدفعه لاستعادتها.
ولهذا فإن السؤال بعد سبع جولات لم يعد ما إذا كانت هناك مفاوضات.
السؤال الحقيقي هو: عندما تنتهي المفاوضات، من سيكون قد غيّر الوقائع لمصلحته؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :