في النقاش اللبناني الراهن، يكاد «ميزان القوى» يتحول إلى العبارة التي يُراد منها إنهاء أي نقاش قبل أن يبدأ. "إسرائيل" أقوى عسكريًا، الولايات المتحدة تمتلك قدرة واسعة على الضغط، البيئة الإقليمية تغيرت، والمقاومة لم تعد تعمل ضمن الظروف نفسها التي كانت قائمة قبل سنوات. وكل ذلك يُستخدم للوصول إلى خلاصة تبدو للوهلة الأولى منطقية: بما أن الوقائع تغيرت، فعلى لبنان أن يتكيف معها، وأن يقبل بما يوصف بأنه «الخيار الواقعي»، وفي مقدم ذلك نزع سلاح المقاومة أو تفكيك عناصر من قوتها.
لكن المشكلة ليست في الاعتراف بهذه الوقائع، بل في النتيجة التي يجري استخلاصها منها.
فميزان القوى، في التفكير السياسي والاستراتيجي، لا يقرر وحده ما ينبغي للدولة أن تفعله. وظيفته أن يحدد البيئة التي تتحرك فيها الدولة، وأن يكشف حجم القيود والمخاطر والكلفة المرتبطة بكل خيار. أما اختيار السياسة، فهو مسألة أخرى.
صحيح أن الدولة الأضعف لا تستطيع أن تتصرف كما لو كانت الطرف الأقوى، وأن تجاهل موازين القوى قد يؤدي إلى نتائج كارثية. لكن الاعتراف بالتفوق العسكري والسياسي للخصم لا يعني تلقائيًا قبول مطالبه. وهنا يقع الفارق بين الواقعية السياسية وبين تحويل القوة إلى مصدر للشرعية.
الواقعية تبدأ من سؤال بسيط: ما الذي يستطيع خصمنا فعله؟ وما الذي نستطيع نحن فعله في المقابل؟ ثم تنتقل إلى السؤال الأهم: كيف نحمي مصالحنا ضمن هذه القيود؟
قد يكون الجواب عبر الدبلوماسية أو التفاوض، وقد يكون من خلال تعزيز الجيش، أو بناء تحالفات، أو الاحتفاظ بقدرات ردع غير متماثلة، أو تحصين الداخل، أو الجمع بين هذه الأدوات. المهم أن موازين القوى تحدد شروط الحركة، لكنها لا تفرض بالضرورة سياسة واحدة.
وهذا جوهر المشكلة في النقاش اللبناني.
عندما نقول إن "إسرائيل" تمتلك تفوقًا عسكريًا كبيرًا على لبنان، فنحن نصف واقعًا. ولكن عندما ننتقل من هذه الحقيقة إلى القول إن على لبنان، لهذا السبب، تنفيذ ما تطالب به "إسرائيل"، نكون قد أضفنا خيارًا سياسيًا إلى الواقعة، لا نتيجة تفرضها الواقعة نفسها.
فالاختلال المتزايد في ميزان القوى يمكن أن يُقرأ بأكثر من طريقة. قد يرى البعض أنه يفرض تجنب المواجهة وخفض مستوى الاحتكاك والتكيف مع الضغوط، لكن يمكن لطرف آخر أن يستنتج العكس: أن ازدياد التفوق "الإسرائيلي" يجعل الحاجة إلى عناصر الردع أكبر، لأن التخلي عنها سيزيد الخلل بدل أن يعالجه.
إذًا، الوقائع نفسها لا تنتج سياسة واحدة بصورة آلية. السياسة هي التي تحدد كيفية قراءة تلك الوقائع والتعامل معها.
وتكمن الخطورة عندما يُقدم خيار سياسي معين على أنه «النتيجة الطبيعية» للواقع، فيتحول ميزان القوى من أداة لفهم السياسة إلى وسيلة للترويج لخيار سياسي مسبق، وبدل أن يقول أصحاب هذا الخيار بوضوح إنهم يفضلونه لارتباطات خارجية. ولذلك يتم التسويق لمقولة «لا خيار أمامنا».
هذه العبارة قد تكون أكثر خطورة من الاعتراف بالضعف نفسه. فالدول الضعيفة لا تمتلك دائمًا خيارات جيدة، وقد تجد نفسها أمام بدائل كلها مكلفة، لكنها نادرًا ما تكون بلا خيارات على الإطلاق. بل إن وظيفة السياسة تظهر تحديدًا عندما تضيق الخيارات: كيف تختار الدولة بين السيئ والأسوأ؟ وكيف توسع مساحة الحركة المتاحة لها بدل أن تتعامل مع القيود القائمة باعتبارها قدرًا نهائيًا؟
المسألة نفسها تنطبق على مفهوم السيادة. إذا كانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" تطالبان بنزع سلاح المقاومة، ثم اتخذت السلطة اللبنانية قرارًا في الاتجاه نفسه، فإن مجرد صدور القرار عن مؤسسة لبنانية لا يكفي وحده لإثبات استقلاله عن الضغوط التي أحاطت به.
فالقرارات قد تكون وطنية من حيث الشكل، لكنها تتخذ أحيانًا داخل بيئة من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية الشديدة. ولذلك لا يكفي أن نسأل: من أصدر القرار؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: في أي ظروف اتُخذ؟ وما حجم حرية الاختيار التي كانت متاحة؟ وما البدائل التي جرت مناقشتها؟ وهل يستند القرار إلى تصور لبناني متكامل للأمن الوطني، أم يعكس في جوهره المطالب التي يفرضها ميزان القوى الخارجي؟
هنا يصبح من الضروري التمييز بين السيادة بوصفها إجراءً وبين السيادة كممارسة فعلية. الأولى تعني أن القرار صدر رسميًا عن مؤسسات الدولة، أما الثانية فتعني أن الدولة تمتلك هامشًا حقيقيًا يسمح لها بالاختيار بين بدائل متعددة. وهذا يقود إلى جوهر النقاش.
ليس الخطر في أن يعترف لبنان بضعفه أو باختلال موازين القوى. تجاهل هذه الحقائق ليس سياسة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الضعف من ظرف تسعى الدولة إلى إدارته وتخفيف آثاره إلى مرجع تحدد على أساسه مصالحها.
هناك فرق كبير بين دولة تقول: نحن أضعف، ولذلك علينا أن نكون أكثر حذرًا وذكاءً في استخدام عناصر قوتنا، ودولة تقول: نحن أضعف، ولذلك فإن ما يريده الطرف الأقوى هو ما ينبغي لنا أن نريده أيضًا.
في الحالة الأولى، يبقى ميزان القوى قيدًا على السياسة، أما في الثانية، فإنه يتحول إلى مصدر يحدد مضمونها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أعمق من النقاش حول سلاح المقاومة وحده: هل نقرأ موازين القوى لكي نعرف كيف ندير ضعفنا ونحمي مصالحنا، أم نستخدمها لتبرير قبول الخيارات التي يريدها الأقوى؟
الواقعية لا تعني إنكار الضعف، لكنها لا تعني أيضًا تحويل الضعف إلى قدر. فالدولة التي تعرف حدود قوتها تستطيع أن تبني سياسة داخل هذه الحدود، أما الدولة التي تجعل من ضعفها أساسًا لتعريف مصالحها، فهي لا تعترف فقط بموازين القوى، بل تسمح لها بأن تنتقل من خارجها إلى داخل عملية صنع قرارها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :