الزيدي يختار باريس بوابة لأوروبا.. حسابات تتجاوز الاقتصاد
يبدأ رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الأحد، أول زيارة أوروبية له منذ توليه منصبه، متجهًا إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارة تتجاوز ملفات الاقتصاد والاستثمار إلى قضايا الأمن والطاقة ومستقبل التعاون الدولي مع العراق.
وتأتي الزيارة في توقيت تسعى فيه بغداد إلى توسيع علاقاتها الدولية، بالتزامن مع إعادة ترتيب دور التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” ومساعي الحكومة العراقية لتعزيز سيادتها الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة، بينما ترى باريس في العراق شريكًا يتقاطع معه عدد من مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية.
شراكة تتسع
بحسب الرئاسة الفرنسية، سيبحث ماكرون والزيدي التعاون في قطاعات الطاقة والنقل والبنى التحتية والمياه والصحة، إلى جانب تعزيز التعاون في الأمن والدفاع، مع توقيع عقود لم تُكشف تفاصيلها بعد. كما يناقش الجانبان تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي على حركة التجارة وإمدادات الطاقة، ولا سيما صادرات النفط العراقية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية “واع”.
ولا تتوقف أجندة اللقاء عند الملفات الاقتصادية، إذ تعتزم باريس وبغداد تجديد التزامهما بمواصلة مكافحة الإرهاب ومنع تنظيم “داعش” من استعادة نشاطه، في ظل التحولات المرتقبة في مهمة التحالف الدولي، مع التأكيد على احترام سيادة البلدين، وفق الرئاسة الفرنسية.
ذاكرة سياسية
اختيار باريس كبداية للحضور الأوروبي للزيدي لا يأتي من فراغ، إذ تمتلك فرنسا علاقة طويلة مع العراق تعود إلى ما قبل عام 2003، وشهدت على مدى عقود تعاونًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، قبل أن تتخذ العلاقة بعد الغزو الأميركي للعراق مسارًا جديدًا.
يوضح د. علي المأموري، الزميل بجامعة ديكن الأسترالية ومستشار رئيس وزراء العراق سابقا لـ"العربية/الحدث" أن العلاقة بين بغداد وباريس تتميز بتاريخ سياسي واقتصادي مختلف عن علاقات العراق مع عدد من العواصم الغربية، مشيرًا إلى موقف فرنسا الرافض للحرب على العراق عام 2003، ثم عودة العلاقات إلى مسارها بعد ذلك، وصولًا إلى الدور الفرنسي في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة خلال عهد الرئيس إيمانويل ماكرون.
وبالنسبة لبغداد، لا تنحصر أهمية باريس في كونها عاصمة أوروبية، بل في قدرتها على الجمع بين العلاقات السياسية والأمنية والمصالح الاقتصادية، وهي معادلة تجعلها محطة مناسبة لبدء انفتاح عراقي أوسع على أوروبا.
رسالة إلى واشنطن
لكن اختيار فرنسا يحمل، وفق قراءة المأموري، بُعدًا يتجاوز العلاقة الثنائية، إذ تسعى بغداد إلى تنويع شراكاتها الدولية وعدم حصر خياراتها بين الولايات المتحدة وإيران، من دون أن يعني ذلك استبدال طرف بآخر.
ويقول المأموري إن هدف بغداد هو “تنويع العلاقات الدولية وتجنب الوقوع داخل محور دولي أو إقليمي ضد آخر”، معتبرًا أن العراق يحاول الانتقال من موقع الساحة التي تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية والدولية إلى موقع أكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة مع أوروبا ودول الخليج وتركيا والقوى الآسيوية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقته بواشنطن وإدارة علاقته المعقدة مع طهران.
ومن هذا المنظور، تصبح باريس بالنسبة إلى بغداد مساحة إضافية للمناورة السياسية، لا بديلًا عن حلفاء أو شركاء آخرين.
حسابات باريس
في المقابل، لا تنظر فرنسا إلى العراق باعتباره ملفًا اقتصاديًا فقط، بحسب د. طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، في تصريحاته لـ"العربية/ الحدث"، حيث يرى أن الزيارة ترتبط بأبعاد استراتيجية وجيوسياسية، في ظل رغبة باريس في تعزيز حضورها المباشر في الشرق الأوسط.
ويوضح فهمي أن فرنسا تعتبر المنطقة العربية من أولويات سياستها الخارجية، وتسعى إلى بناء حضور أقوى في دول مثل لبنان وسوريا والعراق، مستفيدة من الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة، معتبرًا أن المصالح الفرنسية والعراقية تلتقي في ملفات الاقتصاد والأمن والسياسة.
وتأتي زيارة الزيدي بعد انفتاح فرنسي على القيادة السورية الجديدة واستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع في باريس في مايو (أيار) 2025، في خطوة عكست اهتمام ماكرون بتعزيز الحضور الفرنسي في المنطقة. ويرى فهمي أن التحركات الفرنسية في العراق وسوريا ولبنان تأتي ضمن محاولة أوسع من باريس لرسم سياسة مباشرة وقوية في الإقليم.
حضور بلا وصاية
ولا تقتصر حسابات باريس على توسيع نفوذها الإقليمي، إذ إن للعراق أهمية خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والطاقة والأمن الأوروبي، خصوصًا مع إعادة رسم شكل المهمة الدولية لمواجهة “داعش”.
يرى المأموري أن الدور الفرنسي في العراق يمكن أن يستمر بصورة ثنائية في مجالات مكافحة الإرهاب والتدريب وتطوير قدرات القوات العراقية، لكنه لا يعني أن باريس قادرة على الحلول محل التحالف الدولي أو لعب دور حاسم في ملف الفصائل المسلحة، في ظل محدودية نفوذها المباشر على الجماعات المسلحة العراقية.
أما ملف حصر السلاح بيد الدولة، فيرى المأموري أن بغداد لا تريد استبدال وجود التحالف الدولي بشريك عسكري أجنبي جديد، بل تسعى إلى الانتقال نحو علاقات أمنية ثنائية طبيعية بعد انتهاء مهمة التحالف، بما يزيل أحد المبررات التي تستخدمها بعض الجماعات المسلحة للإبقاء على سلاحها تحت عنوان “المقاومة”.
مصالح متقاطعة
وتكشف أجندة زيارة الزيدي عن مساحة واسعة من المصالح المتبادلة بين بغداد وباريس؛ فالعراق يحتاج إلى استثمارات وخبرات فرنسية في الطاقة والبنية التحتية والنقل والمياه والصحة، بينما ترى فرنسا في العراق سوقًا واعدة وشريكًا مهمًا في ملفات الطاقة والاستقرار الإقليمي.
كما تمنح صادرات النفط العراقية العلاقة بُعدًا أوروبيًا مباشرًا، إذ قالت الرئاسة الفرنسية إن ماكرون والزيدي سيناقشان تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي على التجارة وإمدادات الطاقة، والعمل على استئناف صادرات النفط العراقية بما يخفف الضغوط على أسواق الطاقة ويدعم الاقتصاد العراقي.
ويرى فهمي في تصريحاته لـ"العربية/ الحدث" أن المصالح الاقتصادية لا تنفصل عن الحسابات الجيوسياسية الفرنسية، معتبرًا أن باريس تدرك وجود فرص واعدة في العراق، إلى جانب سوريا، وتسعى إلى استثمار موقعها وعلاقاتها في المنطقة لتعزيز حضورها.
ما بعد واشنطن
في هذا السياق، لا تبدو زيارة الزيدي إلى باريس مجرد بحث عن عقود استثمارية أو شراكات اقتصادية، كما لا تبدو محاولة عراقية للانتقال من محور إلى آخر.
فوفق قراءة المأموري في توضيحه لـ"العربية/ الحدث"، أن بغداد تريد توسيع هامش حركتها الخارجية بحيث لا تضطر إلى الاختيار بين القوى المتنافسة، بينما تسعى باريس إلى تثبيت موقعها كقوة أوروبية ذات حضور مستقل في الشرق الأوسط.
بينما يذهب فهمي إلى أن الزيارة تحمل أيضًا رسالة إلى الولايات المتحدة بأن فرنسا حاضرة في الشرق الأوسط ولها مصالح وعلاقات مباشرة مع دول المنطقة، معتبرًا أن الرئيس ماكرون يسعى إلى تجاوز ما وصفه بعقبات الماضي والتبعية لواشنطن.
وبذلك تلتقي حسابات الطرفين عند نقطة واحدة: العراق يريد توسيع خياراته، وفرنسا تريد توسيع حضورها. وبين الهدفين تتحول باريس إلى محطة أوروبية تحمل للعراق أكثر من بوابة اقتصادية، فيما تجد فرنسا في بغداد فرصة لتعزيز حضورها في منطقة تعيد القوى الدولية والإقليمية رسم مواقعها فيها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي