النينيو تدخل منطقة الخطر: إنذار أممي بظاهرة مناخية استثنائية

النينيو تدخل منطقة الخطر: إنذار أممي بظاهرة مناخية استثنائية

حذّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة من اشتداد ظاهرة النينيو خلال الأشهر المقبلة، مع مؤشرات على تحولها إلى حدث مناخي شديد القوة يمكن أن يؤثر في درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار في مناطق واسعة من العالم. ويأتي التحذير في وقت أصبح فيه النظام المناخي العالمي أكثر حساسية للتقلبات، وسط ارتفاع مستمر في درجات الحرارة وتزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة.

 
وبحسب خبير متخصص في ظواهر المناخ، فإن "خطورة النينيو لا ترتبط فقط بارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ، وإنما بقدرتها على إحداث سلسلة من التغيرات في الغلاف الجوي تؤثر في الرياح والضغط الجوي والرطوبة وهطول الأمطار على مسافات آلاف الكيلومترات من منطقة نشأتها. وتحدث الظاهرة عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتستمر من تسعة إلى اثني عشر شهراً، إلا أن شدتها تختلف من دورة إلى أخرى، فيما تكمن أهمية التحذير الحالي في احتمال وصولها إلى مستويات استثنائية".
 
ويوضح الخبير أن "النينيو لا تنتج نمطاً واحداً من الطقس في جميع المناطق، بل يمكن أن تؤدي إلى زيادة الأمطار في مناطق وجفافها في مناطق أخرى، كما يمكن أن ترفع احتمالات موجات الحر والفيضانات والعواصف في مناطق مختلفة. ولذلك لا يمكن اعتبار الظاهرة سبباً مباشراً لكل حدث جوي متطرف، وإنما أحد العوامل التي تتفاعل مع التضاريس والأنظمة الجوية المحلية والمحيطية الأخرى".
 
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، تشير التوقعات إلى احتمالات لظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في حين قد تميل مناطق من شمال أفريقيا إلى الجفاف. لكن الخبير يشدد على أن هذه الاتجاهات احتمالية وليست ضمانات، إذ يمكن للعوامل المناخية الإقليمية الأخرى أن تضخم تأثير النينيو أو تحد منه.
 
وتزداد أهمية هذه المؤشرات بسبب الطبيعة الجغرافية للمنطقة العربية، التي تجمع بين الصحارى والجبال والأودية والمنخفضات والسواحل. ففي المناطق الجبلية والعمرانية، يمكن للأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة أن تؤدي إلى سيول وفيضانات مفاجئة، خصوصاً عندما تكون شبكات تصريف المياه والبنية التحتية غير قادرة على استيعاب كميات كبيرة من الهطولات في وقت محدود. كما يمكن لفترات الجفاف وارتفاع الحرارة أن تضاعف الضغط على الموارد المائية والزراعية.
 
وتظهر التوقعات المناخية للفترة من آب إلى تشرين الثاني 2026 مؤشرات على ارتفاع درجات الحرارة فوق المعدلات الطبيعية في مساحات واسعة من اليابسة، بما يشمل مناطق من أفريقيا وجنوب أوروبا وشبه الجزيرة العربية وآسيا. كما تشير توقعات الأمطار إلى احتمالات لهطولات أعلى من المعتاد في القرن الأفريقي وأجزاء من آسيا الوسطى وجنوب أوروبا، مقابل ميل مناطق أخرى إلى ظروف أكثر جفافاً.
 
وفي لبنان، تكتسب هذه الاحتمالات أهمية خاصة بسبب الطبيعة الجغرافية للبلاد، حيث تتجاور السلاسل الجبلية والأودية والمناطق الساحلية والمناطق العمرانية الكثيفة. ويرى الخبير أن "أي تغير مفاجئ في نمط الهطول، ولا سيما انتقال الطقس من فترات جفاف أو حرارة مرتفعة إلى أمطار شديدة خلال فترة قصيرة، يمكن أن يزيد مخاطر السيول والانجرافات والفيضانات المحلية، في حين قد يؤدي ارتفاع الحرارة وطول فترات الجفاف إلى زيادة الضغط على المياه والزراعة والغابات. ولا يعني ذلك أن النينيو ستتسبب حتماً في حدوث هذه الظواهر في لبنان، لكنها قد تصبح عاملاً إضافياً في منظومة مناخية تتداخل فيها المؤثرات العالمية مع الأنظمة الجوية المحلية".
 
وتكتسب المسألة بعداً أكثر إلحاحاً في ضوء تسجيل المنطقة خلال صيف 2026 حالات من عدم الاستقرار الجوي وهطولات غير معتادة في توقيتها وشدتها، بما يؤكد الحاجة إلى عدم التعامل مع الطقس المتطرف باعتباره ظاهرة موسمية مؤقتة. ويشير الخبير إلى أن "الجغرافيا اللبنانية تجعل بعض المناطق أكثر تعرضاً للسيول، خصوصاً عند هطول أمطار غزيرة على المنحدرات والأحواض الجبلية، فيما يمكن أن تتأثر الزراعة بتقلبات الحرارة والرطوبة وتغير توقيت الأمطار".
 
وتعد الزراعة من أكثر القطاعات العربية تعرضاً لتداعيات النينيو، لأن المحاصيل تحتاج إلى توازن دقيق بين الحرارة والرطوبة وكميات الأمطار وتوقيتها. ويمكن لارتفاع الحرارة أو اضطراب الهطولات أن يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وزيادة الحاجة إلى الري وارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء، قد يتحول تراجع الإنتاج العالمي إلى ارتفاع في فاتورة الاستيراد وأسعار المواد الغذائية.
 
كما يمكن أن تمتد التأثيرات إلى النقل البحري وسلاسل الإمداد، إذ قد تؤثر الأمطار الغزيرة وارتفاع الأمواج والاضطرابات الجوية في حركة السفن والموانئ. وتزداد المخاطر عندما تتزامن الظاهرة المناخية مع اضطرابات جيوسياسية أو ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، لأن أي تعطّل في طرق التجارة يمكن أن يضاعف كلفة الغذاء ومدخلات الإنتاج.
 
ويحذر الخبير من أن "هذه المخاطر تصبح أكثر حساسية في المنطقة العربية التي تعاني دول عدة فيها من شح المياه. فالنينيو قد لا تعني بالضرورة نقص الأمطار في كل مكان، لكنها قد تؤدي إلى توزيع غير متوازن للمياه، بحيث تشهد مناطق هطولات غزيرة لا تتحول بالضرورة إلى مورد مستدام، بينما تعاني مناطق أخرى من الجفاف. ومن ثم فإن التحدي لا يتمثل فقط في كمية الأمطار، بل في توقيتها ومكانها وقدرة البنية التحتية على تخزينها وإدارتها".
 
ولا تتوقف التداعيات عند البيئة والاقتصاد، إذ يمكن لنقص المياه والغذاء وارتفاع الأسعار أن يزيد الضغوط الاجتماعية، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية أو ضعف في الخدمات. كما أن موجات الحر الشديدة قد ترفع الطلب على الكهرباء بسبب الحاجة إلى التبريد، وتزيد المخاطر الصحية، في وقت يمكن أن تتعرض فيه شبكات الطاقة لضغوط إضافية.
 
ويرى الخبير أن "مواجهة النينيو تتطلب الانتقال من الاستجابة للكوارث بعد وقوعها إلى إدارة استباقية للمخاطر. ويشمل ذلك تطوير أنظمة الإنذار المبكر، ورفع جاهزية شبكات تصريف مياه الأمطار، ومراجعة مخططات البناء في مناطق الأودية ومجاري السيول، وتحسين إدارة المياه، إلى جانب تعزيز قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع تغير درجات الحرارة والأمطار".
 
كما تتطلب المرحلة المقبلة تنويع مصادر الغذاء وتأمين طرق بديلة للإمدادات، وتقليل فاقد المياه، والتوسع المدروس في تحلية المياه وإعادة استخدامها، وتحسين كفاءة الطاقة والمباني والنقل. ويؤكد الخبير أن "التحول إلى الطاقة المتجددة وتوسيع المساحات الخضراء وتحسين كفاءة استخدام الطاقة لا يمنع ظاهرة النينيو، لكنه يرفع قدرة المجتمعات على تحمل تداعيات الحرارة والاضطرابات المناخية."
 
وتشير الصورة العامة إلى أن النينيو المقبلة لا ينبغي النظر إليها كظاهرة مناخية منفصلة، بل كعامل إضافي يضغط على منظومات تعاني أصلاً من ضعف متزايد. فارتفاع الحرارة واضطراب الأمطار وشح المياه ومخاطر الغذاء والنقل والطاقة يمكن أن تتفاعل في وقت واحد، ما يجعل الاستعداد المبكر أقل كلفة بكثير من التعامل مع النتائج بعد وقوعها.
 
لذلك؛لا تكمن المسألة في معرفة ما إذا كانت النينيو ستجلب مزيداً من الأمطار أو الجفاف إلى منطقة بعينها فحسب، بل في قدرة الدول والمجتمعات على الاستعداد لسيناريوهات مناخية متغيرة وغير مستقرة. فالظاهرة الطبيعية لا يمكن منعها، لكن يمكن الحد من خسائرها عبر التخطيط والإنذار المبكر وإدارة الموارد وتعزيز البنية التحتية والقطاعات الحيوية. ومع اقتراب العالم من مرحلة قد تصبح فيها النينيو أكثر شدة، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد ماذا سيحدث، بل مدى جاهزية المنطقة العربية ولبنان للتعامل مع ما قد تحمله الأشهر المقبلة من مفاجآت مناخية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي