لم تعد صعودات اليمين المتطرف في أوروبا مجرد إشارات متناثرة على أطراف الخريطة السياسية. ما حدث في ولاية ساكسونيا أنهالت شرقي ألمانيا يحمل دلالة أثقل بكثير، بعدما خرج حزب «البديل من أجل ألمانيا» من صناديق الاقتراع قوة أولى بفارق هائل، واضعاً البلاد أمام اختبار سياسي غير مسبوق.
وفق النتائج الأولية، حصد حزب «البديل من أجل ألمانيا» نحو 44 في المئة من الأصوات، بعدما كان قد سجل 20.8 في المئة فقط في انتخابات الولاية عام 2021.
أما الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حزب المستشار فريدريش ميرتس، فتلقى ضربة قاسية، متراجعاً من 37.1 في المئة عام 2021 إلى نحو 18 في المئة، ما يعني أن ميزان القوى في الولاية انقلب بصورة شبه كاملة.
المسألة إذاً لا تتعلق بتقدم انتخابي عادي، بل بتحول سياسي كبير داخل ولاية حكمها المحافظون منذ عام 2002.
مرشح «البديل» لرئاسة حكومة الولاية أولريش زيغموند استقبل النتيجة بالقول إن حزبه «صنع التاريخ»، ولم يحصر دلالة الفوز بساكسونيا أنهالت، بل ربطه بطموح الحزب للوصول إلى السلطة على المستوى الاتحادي في الانتخابات الألمانية المقبلة عام 2029.
والرسالة وصلت سريعاً إلى برلين.
فالحزب الذي تأسس عام 2013 لم يعد مجرد قوة احتجاجية على الهجرة واليورو والمؤسسات التقليدية. استطلاعات الرأي الوطنية الأخيرة تضعه في موقع متقدم جداً على مستوى ألمانيا، ما يجعل ما جرى في ساكسونيا أنهالت مؤشراً يتجاوز حدود الولاية.
لكن لماذا تحمل النتيجة كل هذه الحساسية؟
منذ سنوات، أقامت الأحزاب الألمانية الرئيسية ما يُعرف سياسياً بـ«الجدار الناري»، أي رفض الدخول في تحالف حكومي مع حزب «البديل من أجل ألمانيا».
المعادلة كانت قابلة للإدارة عندما كان الحزب قوة ثانية أو ثالثة يمكن تشكيل الحكومات من دونه.
أما اليوم، فالسؤال أصبح أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما يصبح الحزب المحاصر خلف «الجدار الناري» القوة الأولى، ويحصد أصواتاً تفوق أقرب منافسيه بأكثر من الضعف؟
قد يفوز «البديل» بالانتخابات ولا يصل رغم ذلك إلى رئاسة الحكومة إذا لم يمتلك الأغلبية المطلقة واستمرت بقية الأحزاب في رفض التحالف معه.
وهنا تظهر المفارقة الألمانية الجديدة.
حزب يفوز في الصندوق، فيما قد يضطر جميع خصومه تقريباً إلى البحث عن صيغة مشتركة لمنعه من الحكم.
وهذا تحديداً ما سيضع «الجدار الناري» تحت ضغط لم يواجهه من قبل.
الهجرة كانت في قلب المعركة الانتخابية. فقد خاض «البديل» الانتخابات على برنامج متشدد في هذا الملف، إلى جانب مواقف مثيرة للجدل في السياسة الخارجية والاقتصاد والهوية الثقافية.
وفي ساكسونيا أنهالت تحديداً، تصنف الاستخبارات الداخلية المحلية فرع الحزب بأنه يميني متطرف، بينما يرفض الحزب هذا التصنيف ويعتبره أداة سياسية لتشويه صورته وتخويف الناخبين منه.
لكن الرسالة الأكثر إثارة للاهتمام جاءت من الصندوق نفسه.
فالتصنيف والتحذيرات والعزلة السياسية لم تمنع عشرات الآلاف من الناخبين من الانتقال إليه، بل سجل الحزب قفزة ضخمة مقارنة بانتخابات 2021.
الخاسر الآخر في هذه المعركة ليس الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الولاية وحده.
إنه المستشار فريدريش ميرتس أيضاً.
فالنتيجة تأتي بينما تواجه حكومته تحديات اقتصادية وسياسية وتراجعاً في الرضا الشعبي، ولذلك يصعب فصل انهيار أصوات حزبه في ساكسونيا أنهالت عن المزاج العام تجاه الحكومة الاتحادية.
وحين ينتقل حزب من أكثر من 37 في المئة إلى نحو 18 في المئة خلال خمس سنوات، فإن الحديث لا يعود عن خسارة مقاعد فقط، بل عن نزيف سياسي يستوجب قراءة أعمق.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار ساكسونيا أنهالت صورة مطابقة لكل ألمانيا.
فالولاية تضم نحو مليوني نسمة، كما أن حضور «البديل من أجل ألمانيا» أقوى تاريخياً في الولايات الشرقية منه في غرب البلاد.
لكن الحزب بدأ في الوقت نفسه يحقق اختراقات في ولايات غربية، ما يجعل من الصعب التعامل مع صعوده باعتباره ظاهرة شرقية محصورة جغرافياً.
وهنا تكمن أهمية انتخابات ساكسونيا أنهالت.
الحزب الذي كان قبل سنوات يقف على هامش المشهد السياسي الألماني بات قادراً اليوم على هز الحزب الذي يقود ألمانيا نفسها.
وقد تكون المعركة المقبلة أكبر من تشكيل حكومة ولاية.
إنها معركة حول مستقبل النظام الحزبي الألماني كله، وحول قدرة الأحزاب التقليدية على الاستمرار في عزل قوة انتخابية تتسع قاعدتها، وحول ما إذا كان الناخب الألماني يعاقب الطبقة السياسية فقط أم أن البلاد تدخل بالفعل مرحلة سياسية جديدة.
لذلك، لن يكون السؤال الذي يشغل برلين بعد هذه النتيجة فقط: من سيحكم ساكسونيا أنهالت؟
السؤال الأخطر سيكون:
إذا كان «الجدار الناري» قد بُني لمنع «البديل» من الوصول إلى السلطة، فكم يستطيع هذا الجدار أن يصمد عندما يصبح الحزب نفسه الخيار الأول في صناديق الاقتراع؟
وهنا تبدأ القصة الألمانية الحقيقية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :