خاص ICON NEWS
في لبنان دولتان للكهرباء. الأولى رسمية، لها وزارة ومؤسسة وموازنات وخطط ووعود عمرها عقود. والثانية وُلدت في الأزقة وبين الأبنية وعلى جوانب الطرق، كحل اضطراري لانقطاع التيار، ثم كبرت حتى تحولت إلى اقتصاد موازٍ له شبكاته وفواتيره ومناطقه ومصالحه.
كان يفترض بالمولد أن يعيش على هامش كهرباء الدولة. حدث العكس تماماً: تراجعت الدولة، فتمدد البديل، وأصبح اللبناني يدفع لكهرباء رسمية لا تكفيه، ثم يدفع مجدداً لمن يؤمّن له التيار عند غيابها. لكن قصة المولدات لم تعد مجرد فاتورة مرتفعة؛ خلف الكيلوواط سوق مازوت، وشبكات توزيع، ونفوذ محلي، وبلديات، ورقابة، وقضاء، وعلاقات سياسية. والأهم أن هذه السوق نمت داخل نظام لبناني تشكل بعد الحرب الأهلية المشؤومة على قاعدة تقاسم النفوذ والمناطق.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا ارتفعت فاتورة المولد، بل كيف تحوّل حل مؤقت إلى سلطة اقتصادية محلية، ومن يملكها، ومن يستفيد من استمرارها، ولماذا لم تتمكن الدولة بعد كل هذه السنوات من إخضاعها نهائياً للقانون؟
الدولة تحتسب الربح… فمن أين تأتي الفواتير الخيالية؟
تحدد وزارة الطاقة والمياه شهرياً تعرفة المولدات وفق معادلة تدخل فيها أسعار المحروقات وسعر الصرف والتكاليف التشغيلية والصيانة والاهتلاك والهدر، وصولاً إلى احتساب هامش ربح لصاحب المولد. أي أن التسعيرة الرسمية تعترف بالكلفة والربح، مما يجعل أي زيادة غير مبررة على الفاتورة، أو رسوم خارج الأطر الرسمية، أو عدم الالتزام بالعداد، قضية تستوجب المحاسبة الصارمة. وفي المقابل، عندما يدّعي أصحاب المولدات أن التسعيرة لا تغطي تكاليفهم، فالحل ليس في حرب البيانات، بل في فتح الحسابات: كم تبلغ كلفة الكيلوواط فعلياً؟ ما كمية المازوت المستهلكة؟ وما هامش الربح الحقيقي؟ فالقطاع الذي يدفع له اللبنانيون مبالغ ضخمة شهرياً لا يجوز أن يبقى صندوقاً أسود.
عندما يحتاج «اشتراك الحي» إلى السراي والأمن والقضاء
في 4 أيلول 2026، ترأس رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعاً خُصص للمولدات وارتفاع الفواتير، بحضور وزيري الاقتصاد والطاقة والنائب العام لدى محكمة التمييز ومسؤولين في أمن الدولة وشعبة المعلومات وشرطة بيروت. المشهد وحده يختصر حجم المشكلة: خدمة بدأت بمولد صغير لسد ساعات التقنين، أصبح ضبطها يحتاج إلى رئيس حكومة ووزراء وقضاء وأجهزة أمنية.
المشكلة ليست جديدة؛ فالدولة أصدرت منذ سنوات قرارات تتعلق بالعدادات والتسعيرة والتنظيم، ونُظمت محاضر ضبط وصدرت أحكام وغرامات. وفي 2025 عادت رئاسة الحكومة إلى التشدد، وصولاً إلى التلويح بحجز المولدات ومصادرتها. ومع ذلك، وصلنا إلى أيلول 2026 والحكومة تجتمع مجدداً لمعالجة المشكلة نفسها. السؤال إذناً ليس هل توجد قوانين، بل لماذا لا تتحول هذه القرارات إلى واقع دائم لا يحتاج كل عام إلى «حملة» موسمية جديدة؟
وزارة الاقتصاد… المطلوب نتيجة لا تعداد المحاضر
تقع على وزارة الاقتصاد والتجارة مسؤولية أساسية في حماية المستهلك ومراقبة الالتزام بالتسعيرة والعدادات. الوزارة تقول إنها نفذت آلاف الكشوفات وسطرت مئات محاضر الضبط خلال 2026، وأحالت ملفات إلى القضاء، وصولاً إلى مصادرة مولدات مخالفة. هذه إجراءات لا يجوز إنكارها، لكن المواطن لا يعيش على عدد المحاضر؛ المعيار هو هل تغير الواقع؟ فإذا كانت الرقابة مستمرة منذ سنوات، لماذا تتكرر الشكاوى نفسها؟ ولماذا يشعر المواطن بأنه الطرف الأضعف أمام المزود؟ وأين تنتهي محاضر الضبط بعد تنظيمها؟
وهنا يصبح وزير الاقتصاد عامر البساط أمام امتحان سياسي بقدر ما هو إداري. لا توجد معطيات موثقة تسمح باتهامه شخصياً بحماية أصحاب المولدات، ولا يجوز تقديم الانطباع كحقيقة. لكن من حق اللبنانيين أن يسألوا الوزير: هل أنت مستعد للذهاب بالمواجهة حتى النهاية، أياً كان اسم صاحب المولد ونفوذه وعلاقاته؟ فالطموح السياسي إن وُجد لا يُدان بحد ذاته، لكن المنصب العام يُقاس بالقدرة على اتخاذ القرار حتى عندما تكون له كلفة سياسية. والاختبار الحقيقي ليس ضبط صاحب مولد صغير، بل إثبات أن القانون يستطيع الوصول إلى الكبير والصغير، والمحامي وغير المحامي، بالمعيار نفسه.
«كل ديك على مزبلته صيَّاح»
لفهم هذه السوق يجب العودة إلى ما بعد انتهاء الحرب الأهلية. انتهت الحرب، لكن عدداً كبيراً من القوى التي صنعتها انتقل إلى مؤسسات الدولة، فيما بقي النظام محكوماً بتوازنات المناطق والنفوذ والمحاصصة. وفي ظل دولة خدمات ضعيفة، نشأت اقتصادات محلية داخل هذه الجغرافيا السياسية، وكان المولدات واحدة منها.
في أماكن كثيرة، لم يعد المواطن يتعامل مع سوق تنافسية طبيعية؛ هناك مزود يسيطر على حي، وآخر على بلدة، ودخول منافس جديد أمر بالغ الصعوبة. وكأن المثل الشعبي «كل ديك على مزبلته صيَّاح» وجد ترجمته الكهربائية. لكل منطقة تركيبتها، وقواها النافذة، وشبكاتها. وهنا لا يعود الحديث عن «مافيا المولدات» مجرد وصف شعبي، بل يصبح السؤال أكثر دقة: هل تحولت مناطق النفوذ السياسي بعد الحرب إلى مناطق نفوذ اقتصادي أيضاً؟
تقارير حقوقية ودراسات تناولت قطاع الكهرباء الخاص تحدثت عن علاقات بين بعض أصحاب المولدات وسياسيين ومسؤولين محليين، وعن حالات كان فيها مسؤولون بلديون أصحاب مصالح في الشبكات أو مقربين من أصحابها. هذا لا يسمح باتهام كل حزب أو بلدية، لكنه يفرض طرح السؤال: هل ورثت المولدات خريطة الميليشيات؟
بعد الحرب، دخلت القوى المسلحة السابقة إلى الدولة، لكن الدولة لم تستطع بناء مؤسسات خدمات قادرة على إلغاء حاجة المواطن إلى الزعيم والوسيط. وحين غابت الكهرباء، ملأ المولد الفراغ. ومع مرور السنوات، باتت هناك حالات يعلن فيها سياسيون أو مسؤولون محليون بصورة علنية امتلاكهم مولدات أو مصالح مرتبطة بالقطاع. لكن هنا يجب أن تكون المحاسبة بالأسماء والوثائق، لا بالشائعات. إذا كان نائب أو وزير أو رئيس بلدية يملك مولداً، فامتلاك النشاط بحد ذاته ليس دليلاً على مخالفة. السؤال الأهم هو: هل توجد مصلحة تتعارض مع الوظيفة العامة؟ هل استفاد من نفوذه؟ هل مُنع منافس؟ هل عُطل محضر؟ هل استُخدمت السلطة العامة لحماية مصلحة خاصة؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع التحقيق، لأن المشكلة تبدأ إذا أصبح من يشارك في صنع القرار مستفيداً في الوقت نفسه من استمرار السوق التي يفترض به تنظيمها.
اكشفوا الملكيات
إذا كانت حكومة نواف سلام جادة في فتح الملف، فلتبدأ من المكان الذي لم يُفتح بما يكفي: من يملك ماذا؟ لتُنشأ قاعدة بيانات علنية لأصحاب المولدات والشركات المشغلة والمستفيدين الفعليين ونطاق عمل كل شبكة وعدد مشتركيها، ضمن ما يسمح به القانون. وليُكشف أي صلة ملكية مباشرة لمسؤول عام أو منتخب، ولتعلن البلديات أسماء المشغلين المرخص لهم ضمن نطاقها، ولتدخل أجهزة المنافسة إلى المناطق التي يوجد فيها مزود واحد فعلياً.
عندها نعرف إن كنا أمام سوق طبيعية، أم أمام تقاسم جغرافي لمناطق الكهرباء الخاصة. وعندها يمكن استخدام كلمة «كارتيل» حيث توجد أدلة، لا كشعار سياسي.
المازوت… فتش عن المال قبل أن يصل إلى المولد
حتى كشف أصحاب المولدات لا يكفي، فالمازوت يشكل عنصراً أساسياً في كلفة الإنتاج، ما يعني أن جزءاً مهماً من اقتصاد العتمة يبدأ قبل دوران المحرك. من يستورد؟ من يخزن؟ من يوزع؟ وبأي أسعار يصل المازوت إلى المشغلين؟ وهل يحصل الجميع على الشروط نفسها؟ إذا أرادت الدولة معرفة أين تذهب فاتورة المواطن، فعليها أن تتبع الليرة من جيبه إلى صاحب المولد، ومنه إلى موزع المحروقات، وصولاً إلى المستورد. فقد يتبين أن ما نسميه «كارتيل المولدات» ليس سوى الحلقة الأخيرة المرئية من سلسلة اقتصادية أكبر.
الميليشيا غادرت الشارع… فهل بقي نظامها الاقتصادي؟
المشكلة التي أعقبت الحرب الأهلية لم تكن فقط انتقال قوى الميليشيات إلى الدولة، بل أن الدولة نفسها لم تنجح في تفكيك ثقافة مناطق النفوذ وبناء مؤسسات قادرة على معاملة اللبناني كمواطن لا كابن منطقة أو طائفة. السياسة قُسمت، والإدارة خضعت للمحاصصة، والخدمات دخلت بدورها في شبكات النفوذ المحلي. لذلك يمكن قراءة «جمهورية المولدات» كصورة مصغرة عن أزمة النظام اللبناني نفسه: الدولة تتراجع، فيملأ الفراغ صاحب النفوذ، ثم يكبر البديل ويصبح له زبائنه ومصالحه وقدرته على الدفاع عن وجوده، حتى تصبح إعادة الدولة إلى مكانها أصعب من لحظة غيابها الأولى.
ولا يعني ذلك أن كل أصحاب المولدات جزء من منظومة سياسية؛ كثيرون منهم دخلوا السوق لتلبية حاجة حقيقية خلقها عجز الدولة ويعملون ضمن القانون. لكن ذلك لا يلغي ضرورة تفكيك الحالات التي التقت فيها السلطة السياسية بالمصلحة الاقتصادية والاحتكار المحلي.
لا تجعلوا صاحب المولد كبش محرقة
من الخطأ اختزال الأزمة بصاحب المولد. المولد لم يطفئ معامل كهرباء لبنان، ولم يصنع وحده انهيار القطاع؛ الدولة بعجزها هي التي صنعت الحاجة إليه، ثم قامت بتنظيم البديل بدلاً من إنهاء الحاجة إليه. هذه مفارقة مذهلة: دولة تحدد تسعيرة منافسها، وتنظم عداده، وتراقب فواتيره، وترسل الأمن لضبطه، بينما يفترض أن يكون هدفها الأساسي تأمين كهرباء تجعل وجوده هامشياً. كل ساعة كهرباء إضافية تؤمنها الدولة تعني سوقاً أصغر للمولدات، وكل ساعة عتمة تعني العكس. هذا يكشف تعارضاً اقتصادياً موضوعياً بين قيام كهرباء دولة حقيقية واستمرار سوق خاصة تعيش من غيابها.
والطامة الكبرى في بعبدا والسراي
لا يجوز أن يبقى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خارج دائرة المساءلة. نعم، أمامهما الجنوب والأمن والإصلاح والاقتصاد، لكن لا يضر أن يلتفتا قليلاً إلى الداخل: إلى موظف يخشى آخر الشهر بسبب فاتورة الكهرباء، وإلى عائلة تدفع للدولة وللمولد معاً، وإلى متجر يحمّل كلفة الاشتراك على أسعار السلع. هذه أيضاً سيادة؛ فالسيادة ليست حدوداً وسلاحاً وعلاقات خارجية فقط، بل هي قدرة الدولة على حماية مواطنها داخل منزله من الاحتكار والاستغلال، وتوفير خدمة أساسية من دون الحاجة إلى زعيم أو واسطة.
اجتماع السراي خطوة، ومصادرة المولدات المخالفة خطوة، ومحاضر الضبط خطوة، لكن المطلوب ليس حملة موسمية، بل تفكيك المنظومة.
افتحوا الدفاتر… والأسماء
ليضع مجلس الوزراء أمام اللبنانيين خريطة كاملة للقطاع: عدد المولدات والمشتركين، حجم السوق، نطاقات التغطية، أسماء الشركات والمشغلين، المخالفات المسجلة، الإحالات القضائية، الأحكام المنفذة، وحالات الاحتكار أو تضارب المصالح التي تثبتها التحقيقات. وليُفتح أيضاً ملف الملكيات السياسية والبلدية، حيث توجد، وفق القانون وبالوثائق. إذا كان مسؤول يملك مولداً، فليُعرف ذلك. إذا كان هناك تضارب مصالح، فليُحاسب. وإذا لم توجد حماية، فلا يُظلم أحد باتهام بلا دليل. هذه هي الدولة التي يحتاج إليها اللبناني، لا دولة الشائعات ولا دولة الحمايات.
من يبيع اللبنانيين نور العتمة؟
«جمهورية المولدات» لم يبنها أصحاب المولدات وحدهم؛ بنتها عقود من فشل الكهرباء، وبنتها دولة انسحبت من وظيفة أساسية فسارع القطاع الخاص لملء الفراغ، وساعد على تضخمها نظام سياسي اعتاد تقاسم النفوذ أكثر مما اعتاد بناء المؤسسات. ولهذا فإن معركة المولدات ليست معركة على بضعة آلاف من الليرات في سعر الكيلوواط، بل هي اختبار للدولة نفسها: هل تستطيع كسر الاحتكار حيث يثبت؟ هل تستطيع كشف الملكيات؟ هل تستطيع محاسبة مسؤول إذا تضاربت مصلحته الخاصة مع وظيفته العامة؟ والأهم: هل تستطيع أخيراً إنتاج كهرباء تجعل المولد خياراً احتياطياً لا سلطة مفروضة على اللبناني؟
الحرب الأهلية المشؤومة انتهت منذ عقود، لكن السؤال الذي تطرحه «جمهورية المولدات» أكثر إزعاجاً: هل انتهى معها نظام الميليشيات ومناطق النفوذ فعلاً، أم أنه خلع البزة العسكرية، ودخل مؤسسات الدولة، ثم أعاد إنتاج نفسه في السياسة والاقتصاد والخدمات؟ حتى أصبح، في بعض الأماكن، لكل منطقة صاحب نفوذ، ولكل نفوذ مصالحه، ولكل عتمة من يبيع نورها. وهنا تقع المسؤولية أولاً على الحكومة ورئيسها، وعلى رئيس الجمهورية الذي تعهد بقيام الدولة. فاللبناني لم يعد يريد حملة أخرى ولا وعداً جديداً؛ يريد أن يعرف من يملك «جمهورية المولدات»، ومن يحمي المخالف فيها إن وُجد، ومن يربح من استمرار العتمة… والأهم: من في الدولة يملك الجرأة على إطفاء هذه الجمهورية حين تضيء كهرباء لبنان؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :