علي الطاهر لم تسقط… عندما تفضح «السيطرة العـــ.ـمـلـيـاتية» رواية الـعـ.ـدو

علي الطاهر لم تسقط… عندما تفضح «السيطرة العـــ.ـمـلـيـاتية» رواية الـعـ.ـدو

خاص ايكون نيوز 

 

 

ليس مطلوباً منا أن نصدق الرواية الإسرائيلية لمجرد أن جيش الاحتلال أصدر بياناً، ولا أن نتعامل مع المصطلحات التي اختارها كما لو أنها تقرير محايد صادر عن جهة مستقلة. وفي مرتفعات علي الطاهر تحديداً، تكفي قراءة ما يقوله العدو نفسه، بعيداً عن العناوين الدعائية، لاكتشاف فجوات واسعة بين ما يريد أن يثبته في الوعي الجماهيري وما يستطيع إثباته فعلاً على أرض الواقع الذي يفرضه صمود أبطال المقاومة.

الاحتلال لم يجرؤ على القول إنه أحكم سيطرة ميدانية شاملة ودائمة على كامل مرتفعات علي الطاهر. العبارة التي استقر عليها كانت «السيطرة العملياتية». وهنا تبدأ القصة الحقيقية، لا تنتهي.

لماذا قال «سيطرة عملياتية»؟

في المعارك، الكلمات ليست تفصيلاً؛ فهي تعكس حدود الإنجاز الفعلي. لو كان العدو قادراً على القول إنه احتل المرتفعات بالكامل وتمسك بكل مداخلها ويستطيع البقاء فيها بثبات، فلماذا اختار تعبيراً أكثر مرونة وتحفظاً؟ هذا المصطلح يسمح له بالإعلان عن إنجاز عسكري محدود، لكنه لا يساوي بالضرورة السيطرة الجغرافية الكاملة والدائمة أمام مقاومة شرسة.

وهذا ليس استنتاجاً مبنياً على رواية المقاومة وحدها، بل أكده واقع الميدان. فقد نقلت رويترز عن مسؤول عسكري لبناني أن القوات الإسرائيلية تسيطر مؤقتاً على المداخل الجنوبية وتراقب الشمالية بالمسيّرات، لكنها أضافت نقطة حاسمة: مدى توغل القوات الإسرائيلية داخل المجمع تحت الأرض غير واضح. فكيف تحولت صورة ميدانية غير مكتملة إلى «حسم» كامل في بعض العناوين المتسرعة؟

العدو يناقض نفسه بنفس بيانه

الأكثر دلالة يأتي من الرواية الإسرائيلية ذاتها. فالاحتلال الذي أعلن «السيطرة العملياتية» تحدث في الوقت نفسه عن استمرار النشاط الهادف إلى تحييد البنية التحتية تحت الأرض، وعن إعادة انتشار قواته بعد انتهاء العملية. وهنا لا نحتاج إلى رواية مضادة، بل يكفي طرح سؤال منطقي بسيط: إذا كانت التلة قد حُسمت، فلماذا لم تنتهِ العملية؟ وإذا كانت السيطرة كاملة ودائمة، فلماذا الحديث عن إعادة الانتشار؟

المنطق الأقرب هو أن ما يصفه العدو بـ«السيطرة العملياتية» هو مجرد قدرة مؤقتة على الوصول والتدمير داخل أجزاء محدودة من الموقع، يعقبها تغيير في انتشار القوات، وليس احتلالاً كاملاً ودائماً للمرتفع بكل ما تحته وما حوله. ونحن لسنا بحاجة إلى إنكار الواقع حتى نفند الدعاية؛ فنحن نقر بأن الاحتلال حقق تقدماً سطحياً، لكن التقدم شيء، والسيطرة الشاملة شيء آخر، وإعلان النصر الكاذب شيء ثالث تماماً.

فتحات الأنفاق ليست علي الطاهر

تحاول الرواية الإسرائيلية دمج ثلاثة أشياء في صورة واحدة مضللة: فتحات الأنفاق، والمنشأة تحت الأرض، ومرتفعات علي الطاهر. وهذا خلط ينبغي تفكيكه فوراً. استهداف فتحة نفق لا يعني السيطرة على النفق كله، والوصول إلى مسار تحت الأرض لا يعني السيطرة على شبكة كاملة، والدخول إلى منشأة لا يساوي تلقائياً السيطرة الجغرافية الدائمة على كامل المرتفعات.

بل إن المعلومات المستقلة المتاحة حتى الآن لا تجيب بصورة حاسمة عن مدى العمق الذي بلغته القوات الإسرائيلية. إذن، من أين جاء اليقين المطلق الذي تبثه القنوات الإسرائيلية؟ جاءت من بيان العدو نفسه.

إسرائيل صنعت «أسطورة المنشأة» ثم أعلنت الفوز بها

هناك مفارقة كبرى تكشف حجم التضليل: من الذي أخبر العالم أن ما تحت علي الطاهر منشأة هائلة واستراتيجية؟ إسرائيل. ومن الذي قدم تفاصيل عن الأنفاق وغرف العمليات والمستودعات؟ إسرائيل. ومن الذي خرج ليعلن أنه حقق إنجازاً استراتيجياً بالوصول إليها؟ إسرائيل أيضاً.

أما المقاومة فلم تقدم أصلاً رواية علنية تفصيلية عن طبيعة هذه المنشآت أو حجمها. وهذا لا يعني غيابها، بل يعني شيئاً أدق وأهم: لا يجوز أن نستعمل الوصف الإسرائيلي للهدف دليلاً مستقلاً على حجم الإنجاز الإسرائيلي في استهدافه. فالخصم هو من يحدد حجم «الجائزة» الافتراضية، ثم يعلن أنه فاز بها. وحتى توصيف ما يوجد هناك بأنه «منشأة واحدة» يحتاج إلى الحذر، إذ يشير التراكم الإعلامي والعسكري إلى وجود بنى ومسارات متعددة، مما يجعل معادلة «وصل الجيش إلى أنفاق = سقطت علي الطاهر» تبسيطاً سخيفاً يخدم الدعاية الإسرائيلية فقط.

ادعاءات متناقضة حول الوجود الإيراني

ثم خرج العدو ليزعم أنه لم يجد إيرانيين داخل المنشأة. السؤال هنا ليس هل يوجد إيرانيون أم لا، بل كيف استطاع العدو الجزم بذلك وهو عاجز عن تحديد عمق تقدمه؟ قبل العملية مباشرة، نقلت رويترز عن مسؤولين أن إيران أرسلت تحذيراً إلى الولايات المتحدة عبر عُمان بشأن هجوم واسع وسط معلومات عن وجود عناصر من الحرس الثوري، فيما نفت إسرائيل ذلك. لدينا إذاً روايات متعارضة، وعندما يكون مدى تقدم القوات الإسرائيلية غير محسوم، يصبح إعلانها عدم وجود إيرانيين جزءاً من سردية التضليل، وليس حقيقة يتوجب علينا تبنيها.

صمت المقاومة استراتيجية، لا اعترافاً

قد يسأل البعض: لماذا لم تصدر المقاومة روايتها المقابلة؟ لأن المقاومة، بحكمة قيادتها، لا تخوض المعركة الإعلامية وفق الساعة الإسرائيلية. منذ أشهر، اعتمدت المقاومة سياسة «الغموض البناء»: لا بيان بعد كل اشتباك، ولا كشف لكل ما يجري، ولا سباق لإصدار ردود فعل فورية. وقد أعلن العدو نفسه خلال هذه المرحلة عن إصابات في صفوفه دون أن تدخل المقاومة في نمط البيانات اليومية.

لذلك فإن صمتها ليس دليلاً على صحة الرواية الإسرائيلية، بل هو خيار استراتيجي لإدارة المعركة. والقاعدة بسيطة: عدم نفي الادعاء لا يحوله إلى حقيقة، وترك العدو يتحدث وحده لا يعني منحه حق كتابة الرواية وحده.

ثلاث سنوات من النار ثم إعلان «النصر» الوهمي

علي الطاهر لم تظهر على الخريطة العسكرية أمس. المرتفعات تعرضت لضغط وقصف متكرر، وتحولت إلى إحدى أكثر النقاط حساسية في المواجهة، حيث وثقت تقارير دولية أن محاولة إسرائيلية في حزيران أوقعت قتلى وجرحى في صفوف الاحتلال. والسؤال السياسي يبقى جلياً: إذا كان الموقع سهلاً إلى هذا الحد، فلماذا احتاج الاحتلال كل هذا الوقت والنار والحشد؟ وإذا كانت السيطرة عليه حاسمة، فلماذا بقيت صيغة الإعلان متحفظة على «السيطرة العملياتية»؟

علي الطاهر القضية بعد «اتفاق الإطار»

تدخل السياسة بقوة في المشهد. فبعد توقيع «اتفاق الإطار» في 26 حزيران 2026، تصاعد ملف علي الطاهر داخل المفاوضات. والمشكلة الجوهرية في أي اتفاق يمنح الاحتلال مساحة لتفسير «حرية الحركة» الأمنية، أنه يستطيع تحويل الاستثناء إلى قاعدة، ثم استعمالها لتبرير التوغلات والنسف، ومطالبة لبنان بالتعامل مع الوقائع الجديدة كأمور مفروضة. الرئيس جوزاف عون نفسه اتهم إسرائيل أخيراً بانتهاك الاتفاق، مؤكداً أن إعادة الإعمار مستحيلة في ظل الاحتلال.

لماذا لم تُسلّم المقاومة علي الطاهر؟

المقاومة تنطلق من حقيقة جغرافية وسياسية: مرتفعات علي الطاهر تقع شمال الليطاني، وبالتالي لا يمكن ضمّها ببساطة إلى ترتيبات جنوب الليطاني أو اعتبارها بنداً تنفيذياً تلقائياً للقرار 1701. بل إن ملف المواقع شمال الليطاني يدخل ضمن الحوار اللبناني الداخلي حول استراتيجية الأمن الوطني. وأي حديث عن تسليم الموقع للجيش اللبناني يجب أن يُبنى على ضمانة حقيقية بأن الاحتلال لن يعود ليقصفه أو يدمره لاحقاً. السيادة لا تعني تسليم الأرض كي تصبح هدفاً مباحاً، بل تعني تمكين الجيش من الدفاع عنها ومنع العدو من دخولها.

إسرائيل تريد أكثر من علي الطاهر

هذا ربما أخطر ما في القصة. الهدف لم يعد تلة فقط، بل فرض مفهوم جديد للأمن في الجنوب يقوم على الاحتفاظ بحرية الحركة وربط الانسحاب بشروط تتجاوز الترتيبات الميدانية. وعندما تتحول «حرية الحركة» إلى دخول، والدخول إلى تدمير، والتدمير إلى «سيطرة»، ثم تتحول هذه السيطرة إلى حديث عن «منطقة أمنية»، يصبح السؤال أكبر بكثير من علي الطاهر: أين تنتهي شهية الاحتلال إذا قبل لبنان هذه السابقة؟ اليوم علي الطاهر، وغداً أي مرتفع أو وادٍ يقرر العدو أنه «تهديد».

نتنياهو يحتاج «علي الطاهر» انتخابياً

ولا يمكن تجاهل التوقيت السياسي. أشارت تقارير إلى أن تحقيق تقدم هنا يمنح حكومة نتنياهو مكسباً انتخابياً مهماً. وهكذا تضخمت علي الطاهر في الخطاب الإسرائيلي لتصبح «منشأة استراتيجية» و«هدفاً استثنائياً»، ثم تأتي الخاتمة المطلوبة: «لقد سيطرنا عليه». لكن عندما نزيل الطبقات الدعائية، نعود إلى العبارة الأصلية الأكثر تحفظاً: «سيطرة عملياتية».

لن نعطي العدو انتصاراً أكبر مما حققه

ليس دورنا إنكار تقدم إسرائيلي إذا ثبت وقوعه، ولا تحتاج المقاومة إلى صحافة تخترع لها انتصارات. لكننا لسنا مضطرين لأخذ البيان العسكري الإسرائيلي وتحويله إلى حقيقة نهائية. ما نستطيع قوله بدقة: العدو تقدم، دخل إلى أجزاء، وصل إلى مواصلات، ونفذ عمليات تدمير، وزعم تحقيق «سيطرة عملياتية». لكن لا توجد أدلة مستقلة كافية تثبت أنه أحكم سيطرة شاملة ودائمة، خاصة وأن المصدر العسكري اللبناني أكد أن عمق التقدم داخل المجمع غير واضح.

هذا ليس تلاعباً بالكلمات، بل هو الفارق بين الخبر الصادق والدعاية الكاذبة.

علي الطاهر… لم تقل كلمتها الأخيرة

المقاومة اختارت الغموض الاستراتيجي، والعدو اختار الضجيج الإعلامي. الأول لا يخبرنا بكل ما لديه حفاظاً على عنصر المفاجأة، والثاني يريدنا أن نصدق أن كل ما يقوله هو كل ما حدث. نحن لا نقبل بهذه المعادلة. سنقرأ الميدان كما هو، ونقر بتقدم العدو حيث يثبت، لكننا لن نمنحه بكلماتنا ما لم يستطع إثباته بأفعاله.

فمن يعلن السيطرة ثم يقول إن عمليته لم تنتهِ، ومن يتحدث عن الإمساك بالموقع ثم يتحدث عن إعادة الانتشار، لا يملك بعد الحق في إعلان نهاية معركة علي الطاهر. لقد أراد الاحتلال أن يجعل من المرتفعات صورة نصر، لكن الصور لا تحسم الحروب، والبيانات لا تحتل الجبال. علي الطاهر ليست بياناً إسرائيلياً، بل هي أرض، وفي الأرض وحدها يُقاس معنى السيطرة الحقيقي. ولهذا، قبل أن نكتب أن علي الطاهر سقطت، ننتظر شيئاً واحداً لم تقدمه إسرائيل حتى الآن بصورة حاسمة: الدليل.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي