الجنوب بعد ليلة النار… الاحتلال يوسّع الغارات والمقاومة تتمسك بالغموض وعلي الطاهر في قلب المواجهة

الجنوب بعد ليلة النار… الاحتلال يوسّع الغارات والمقاومة تتمسك بالغموض وعلي الطاهر في قلب المواجهة

«سيطرة» وهمية أم عملية فاشلة؟ علي الطاهر تكذب رواية الاحتلال

رصد ايكون نيوز

«سيطرة» وهمية أم عملية فاشلة؟ علي الطاهر تكذب رواية الاحتلال

لم تكن مرتفعات علي الطاهر بحاجة إلى بيان إسرائيلي كي تصبح موقعا استراتيجيا في جنوب لبنان. لكن الاحتلال هو الذي قرر خلال الأسابيع الأخيرة تحويل التلة إلى عنوان دعائي كبير، ثم خرج ليعلن زوراً عن تحقيق ما سماه «السيطرة العملياتية»، محاولاً تمرير العملية باعتبارها إنجازا نوعياً في المواجهة مع المقاومة. غير أن التدقيق في البيان الإسرائيلي نفسه يكشف أن المسافة بين ادعاء «السيطرة» والواقع الميداني الذي يفرضه صمود أبطال المقاومة أكبر بكثير مما توحي به عناوين الانتصار الوهمية. والسؤال الجوهري ليس ما الذي ادعته إسرائيل، بل: ماذا سيطرت عليه فعلا في ظل تمسك المقاومة بأرضها؟

مصطلح «السيطرة العملياتية».. حيلة لغوية لإخفاء الفشل

جيش الاحتلال لم يجرؤ على القول إنه احتل المرتفعات بالكامل أو أقام سيطرة دائمة عليها. المصطلح المختار كان تحديدا: «السيطرة العملياتية». وهذا فارق جوهري؛ فالسيطرة العملياتية لا تعني سوى القدرة المؤقتة على العمل في منطقة محددة أو الوصول إلى أهداف معينة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة السيطرة الفعلية على الأرض أو القدرة على الإمساك بها بصورة دائمة أمام مقاومة شرسه. وحتى المصادر الغربية التي نقلت الرواية الإسرائيلية حافظت على هذا التعبير المحدود، إدراكاً منها لحدود الإنجاز العسكري الإسرائيلي.

المفارقة الكبرى موجودة داخل البيان الإسرائيلي نفسه. فبعد الإعلان عن «السيطرة»، اعترف الجيش بأن النشاط الهادف إلى تحييد البنية التحتية تحت الأرض لا يزال مستمراً، وإن القوات ستقوم بعد انتهاء هذا النشاط بـ«إعادة الانتشار دفاعياً وفقاً لتقييم الوضع». وهنا يسقط الادعاء الإسرائيلي تماماً: إذا كانت السيطرة قد اكتملت كما يدعون، فما الذي لا يزال يحاول الجيش «تحييده»؟ وإذا كانت القوات ستعيد الانتشار، فهذا يعترف ضمناً بأن ما حدث لم يكن احتلالاً دائماً، بل عملية اقتحام فاشلة انتهت بانسحاب جزئي. هذه ليست أسئلة تحليلية، بل اعترافات إسرائيلية بالفشل تخرج من صياغة جيش الاحتلال نفسه.

غموض ميداني يعكس عجز الاحتلال عن الحسم

أضاف مصدر عسكري لبناني مزيداً من الوضوح على حقيقة الأمر، إذ أكد أن إسرائيل تسيطر مؤقتاً على بعض المداخل الجنوبية وتراقب الشمالية بالمسيّرات، لكنه شدد على نقطة حاسمة: ليس واضحاً إطلاقاً إلى أي مدى استطاعت القوات الإسرائيلية التقدم فعلياً داخل المجمع تحت الأرض. هذا وحده يكفي لضرب الادعاء الإسرائيلي بـ«سقوط علي الطاهر» عرض الحائط. فالسيطرة على مداخل ومراقبة أخرى من الجو شيء، والسيطرة الكاملة على شبكة واسعة تحت الأرض والقدرة على الاحتفاظ بها في وجه مقاتلي حزب الله شيء آخر تماماً.

كما يستحيل الخلط بين النفق والمنشأة والمرتفع الجغرافي. فالوصول إلى مسارين أو استهداف فتحات أنفاق لا يثبت تلقائياً السيطرة على كامل الموقع. واللافت أن إسرائيل هي التي بالغت في تقديم المنشأة باعتبارها بنية «استراتيجية» ضخمة، محاولة بذلك تضخيم حجم خسارتها المتوقعة أو تضخيم حجم «إنجازها» الزائف. بمعنى آخر، حتى حجم «الكنز العسكري» الذي يدعي الاحتلال وصوله إليه هو مجرد جزء من حملة التضليل الإعلامي التي يشنها.

ثم جاءت مغالطة أخرى لافتة: مصادر إسرائيلية ادعت أنها لم تجد مستشارين أو ضباطاً إيرانيين في الأنفاق. لكن هذا الادعاء يفتح سؤالا أكثر مما يغلقه؛ فإذا كان مدى تقدم القوات غير واضح والعملية لم تنتهِ، فما الأساس الميداني الذي يسمح للجيش الإسرائيلي بالجزم بشأن جميع الموجودين في الشبكة؟ خصوصاً أن تقارير سابقة أشارت إلى وجود تنسيق ودعم، وهو ما تحاول إسرائيل نفيه الآن لتبرير فشلها في الكشف عن كل التفاصيل. إذن نحن أمام ادعاءات إسرائيلية متناقضة، وليس حقيقة مستقلة محسومة.

الصمود الاستراتيجي: المقاومة تكتب قواعد اللعبة

على الجانب الآخر، اتبعت المقاومة نمطا مختلفا تماماً؛ فهي تعتمد منذ نحو ثلاثة أشهر سياسة «الغموض البناء» والصمود الميداني، فلا تصدر رواية تفصيلية عن كل اشتباك ولا تكشف ما لديها من معلومات أو نتائج ميدانية كلما أصدر جيش الاحتلال بيانا فاشلا. ومن هنا، فإن غياب رد فوري من المقاومة لا يُفسر أبداً بالإقرار بالرواية الإسرائيلية، بل هو خيار استراتيجي لحفظ الأوراق.

وقد أكدت المقاومة رسمياً عبر وكالة شينخوا في 4 أيلول نفيها القاطع للادعاء الإسرائيلي، مشيرة إلى أن المرتفعات خالية من الوجود العسكري الإسرائيلي وأن مقاتليها ما زالوا متمسكين بها. وهذا يؤكد أن الصمت أو التأخر في الرد ليس ضعفاً، بل هو دليل على أن المعركة الحقيقية تدور تحت الأرض حيث لا تصل الكاميرات ولا تصل الدعاية الإسرائيلية. والفارق هنا واضح: نحن نتحدث عن وقائع ميدانية تفرضها المقاومة، بينما يتحدث الاحتلال عن رغبات دعائية.

لماذا عجز الاحتلال عن الحسم السريع؟

لو كانت علي الطاهر هدفاً سهلاً كما يدعون، فلماذا اضطر الاحتلال إلى أسابيع من العمليات والقصف والحصار دون حسم الأمور؟ رويترز وصفت المرتفعات بأنها إحدى أبرز نقاط الاشتباك، مشيرة إلى أن مواجهات حزيران أوقعت قتلى وجرحى في صفوف القوات الإسرائيلية. التلة التي حاول الاحتلال تصويرها كأن السيطرة عليها أمر ناجز، كانت في الواقع موقعا استنزف قدر كبير من النار والوقت والجهد الإسرائيلي دون تحقيق الهدف المرجو.

والمفارقة أن إسرائيل هي من رفعت القيمة الرمزية لعلي الطاهر إعلامياً، مقدمة إياها كموقع يشرف على مساحات واسعة. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، أصبح من الواضح أن تحقيق «إنجاز» هنا يمنح حكومة نتنياهو مكسبا سياسياً داخلياً مهماً لتغطية إخفاقاتها. وبعد ساعات فقط من إعلان «السيطرة» الوهمي، خرج نتنياهو ليقول إن علي الطاهر «لم تعد تشكل تهديداً». هنا يلتقي السياسي بالدعائي؛ فكلما رُفعت قيمة الهدف إعلامياً قبل المعركة، ازدادت الحاجة إلى إعلان انتصار وهمي بعدها.

خطر التمدد: محاولة لفرض واقع جديد

حاول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رفع السقف أكثر، زاعماً أن السيطرة على علي الطاهر تستكمل إحكام السيطرة على ما يسميه «المنطقة الأمنية»، وربط الانسحاب مجدداً بنزع سلاح حزب الله. وهنا يظهر الخطر الحقيقي؛ فالمسألة لم تعد ما إذا دخل جنود إسرائيليون نفقا، بل هي محاولة يائسة لتحويل إنجاز عسكري موضعي وفشل ميداني إلى قاعدة سياسية وجغرافية جديدة داخل الأراضي اللبنانية.

أما الحديث عن تسليم المرتفعات للجيش اللبناني، فتؤكد المقاومة أن علي الطاهر تقع خارج ترتيبات القرار 1701 وأن وضعها يدخل ضمن النقاش الداخلي حول استراتيجية الأمن الوطني. وتؤكد المقاومة أن الجيش اللبناني لم يطلب التسليم، وأي حديث عن رفض الجيش تسلم الموقع لعدم قدرته على الدفاع عنه هو مجرد إشاعات لا أساس لها من الصحة، لأن قوة القضية الأساسية تكمن في حق المقاومة في الدفاع عن أرضها.

ماذا نعرف إذاً؟

نعرف يقيناً أن القوات الإسرائيلية وصلت إلى أجزاء محدودة من المنطقة ومسارات تحت الأرض، ونفذت عملية كبيرة وطويلة، وأعلنت زوراً عن «سيطرة عملياتية». لكننا نعرف أيضاً من المصدر العسكري اللبناني أن مدى تقدمها لم يكن واضحا، ومن البيان الإسرائيلي نفسه أن أعمال التحييد مستمرة وأن الحديث يدور عن إعادة انتشار لاحقة، مما يؤكد عدم استقرار الوضع. لذلك فإن العبارة الأكثر دقة ليست «سقطت علي الطاهر»، بل: إسرائيل حققت تقدماً سطحياً محدوداً وتزعم أنها حولته إلى «سيطرة»، فيما يبقى نطاق هذه السيطرة واستمراريتها موضع تساؤل كبير بسبب عجز الاحتلال عن تثبيت أقدامه.

ربما تكون معركة علي الطاهر قد دخلت مرحلة جديدة، وربما حققت إسرائيل تقدماً سطحياً لا يجوز إنكاره كلياً. لكن الاعتراف بالتقدم السطحي شيء، والتسليم بكل ما تبنيه الدعاية الإسرائيلية فوقه شيء آخر خطير. إسرائيل تحتاج إلى صورة نصر لتغطية فشلها، والمقاومة اختارت ألا تكشف كل أوراقها للحفاظ على عنصر المفاجأة، فيما لا تزال المعلومات المستقلة عاجزة عن إثبات أي سيطرة فعلية للاحتلال.

لذلك لا يحتاج تفكيك رواية الاحتلال إلى اختراع رواية مقابلة، بل يكفي قراءة بيانه كاملاً: «سيطرة عملياتية»… عملية تحييد لم تنتهِ… ثم إعادة انتشار. ثلاث عبارات إسرائيلية تضع علامة استفهام كبيرة أمام كلمة واحدة يريد الاحتلال تثبيتها في الوعي: «حُسمت». أما الميدان، فلم يمنح أحداً بعد حق وضع النقطة الأخيرة، فصمود المقاومة هو الفيصل الوحيد الذي يكتب الحقيقة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي