ايكون نيوز -الجزائر
لا تبدو التطورات الجزائرية الأخيرة مجرد أحداث متفرقة يمكن قراءتها كلٌّ على حدة. ففي الداخل، عاد ملف عقوبة الإعدام إلى واجهة النقاش، وفي الخارج تحركت مقاتلات جزائرية باتجاه النيجر في تطور يثير سؤالاً أكبر: هل بدأت الجزائر الانتقال من عقيدة أمنية دفاعية شديدة التحفظ إلى مفهوم أوسع للأمن القومي يتجاوز حدودها الجغرافية؟
لسنوات طويلة، ارتبطت العقيدة الجزائرية بمبدأين أساسيين: التشدد في حماية السيادة الوطنية، والتحفظ الشديد حيال التدخل العسكري خارج الحدود. لكن البيئة المحيطة بالجزائر تغيرت بصورة جذرية، وخصوصاً في منطقة الساحل، حيث تتداخل الجماعات المسلحة والانقلابات العسكرية والصراع الدولي على النفوذ وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية.
النيجر.. عندما يصبح الجار جزءاً من الأمن الداخلي
يحمل التحرك العسكري باتجاه النيجر دلالة تتجاوز عدد الطائرات أو مدة المهمة. فالنيجر تشكل جزءاً من الحزام الجنوبي الحساس للجزائر، وأي انهيار أمني واسع فيها يمكن أن تنتقل ارتداداته سريعاً باتجاه الحدود الجزائرية.
من هنا يمكن قراءة إرسال مقاتلات جزائرية باعتباره تطبيقاً لمفهوم «الدفاع المتقدم»: بدلاً من انتظار الخطر عند الحدود، يجري احتواؤه في المجال المحيط قبل أن يتحول إلى تهديد مباشر.
وهذه ليست قطيعة كاملة مع العقيدة التقليدية بقدر ما قد تكون إعادة تفسير لها. فالجزائر لا تقول إنها تريد التحول إلى قوة تدخل إقليمية، لكنها ترسل إشارة بأن مبدأ عدم التدخل لن يعني بالضرورة الوقوف متفرجة عندما يصبح أمن دولة مجاورة مرتبطاً مباشرة بأمنها.
الساحل يفرض قواعد جديدة
المعضلة الجزائرية أن محيطها الجنوبي لم يعد يشبه ما كان عليه قبل عقدين. مالي والنيجر وبوركينا فاسو شهدت تغيرات سياسية وعسكرية متلاحقة، فيما تراجعت أدوار غربية تقليدية وصعد حضور روسي، بالتوازي مع استمرار نشاط الجماعات المسلحة.
وفي الوقت نفسه، تعيش العلاقات الجزائرية ـ المالية توترات حادة، ما يجعل النيجر أكثر أهمية في الحسابات الجزائرية.
لذلك قد تكون نيامي بالنسبة إلى الجزائر أكثر من مجرد عاصمة لدولة مجاورة؛ إنها إحدى نقاط التوازن التي تمنع امتداد الفوضى نحو الشمال.
الداخل أيضاً أكثر تشدداً
بالتوازي، تعكس عودة النقاش حول تفعيل عقوبة الإعدام توجهاً داخلياً أكثر حزماً تجاه الجرائم التي تعتبرها السلطات والمشرّعون شديدة الخطورة.
لكن من الضروري التمييز بين إقرار أو توسيع النصوص التي تنص على الإعدام وبين استئناف تنفيذ الأحكام فعلياً. فالجزائر تطبق وقفاً فعلياً لتنفيذ عقوبة الإعدام منذ عام 1993، ولذلك فإن الحديث عن «عودة الإعدام» يحتاج إلى هذا التوضيح حتى لا يتحول العنوان إلى تقرير واقعة لم تحدث بعد.
هل تغيرت العقيدة الجزائرية؟
ربما يكون من المبكر إعلان ولادة عقيدة أمنية جزائرية جديدة، لكن المؤشرات تستحق التوقف عندها.
فالتحول الحقيقي لا يقاس بإرسال سرب مقاتلات مرة واحدة، وإنما بتكرار هذا النوع من العمليات، وطبيعة المهمات التي يتولاها الجيش خارج الأراضي الجزائرية، ومدى استعداد الجزائر لاستخدام قوتها العسكرية لحماية مصالحها الإقليمية.
إذا أصبح ما جرى في النيجر نموذجاً قابلاً للتكرار، فسنكون أمام انتقال بالغ الأهمية: من مفهوم «الدفاع عن الجزائر عند حدودها» إلى مفهوم «الدفاع عن الجزائر عبر حماية محيطها».
وهذا التحول، إن ترسخ، سيعيد ترتيب موقع الجزائر في الساحل وشمال أفريقيا، لأنها تمتلك أصلاً واحداً من أكبر الجيوش والقدرات الجوية في القارة.
الجزائر ترسم خطاً أمنياً جديداً؟
لا تحتاج الدول دائماً إلى إعلان عقيدتها الجديدة في وثيقة رسمية. أحياناً تكشفها حركة الطائرات واتجاه انتشار القوات وطبيعة القرارات التي تتخذها في الداخل.
الجزائر التي عُرفت طويلاً بحذرها الشديد تجاه العمل العسكري خارج أراضيها تبدو اليوم أمام محيط لا يسمح لها بالترف نفسه.
ولهذا ربما يكون السؤال بعد النيجر أكبر من مهمة عسكرية محدودة:
هل ما زالت حدود الأمن القومي الجزائري تنتهي عند الحدود الجزائرية، أم أن الجزائر بدأت ترسم لنفسها حزاماً أمنياً يمتد عميقاً داخل الساحل؟
إذا كان الجواب الثاني هو الصحيح، فإن ما نشهده ليس مجرد تحرك عسكري نحو النيجر، بل بداية تحول استراتيجي يستحق أن يُراقب بعناية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :