من يريد تغيير وجه الجنوب بعد اليونيفيل؟ ما يُطبخ خلف أبواب مجلس الأمن

من يريد تغيير وجه الجنوب بعد اليونيفيل؟ ما يُطبخ خلف أبواب مجلس الأمن

خاص ICON NEWS

لم يعد ملف اليونيفيل مجرد استحقاق سنوي للتجديد. القرار 2790 الصادر في آب 2025 حسم، من حيث المبدأ، أن تنتهي العمليات الحالية للقوة في 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب منظمة وآمنة. لكن التطورات العسكرية أعادت فتح السؤال الأخطر: ماذا سيحل مكانها في جنوب لم تنتهِ فيه الحرب فعلياً، ولم يكتمل الانسحاب الإسرائيلي منه؟ 

اجتماع خلف الأبواب

مجلس الأمن عقد أمس الجمعة مشاورات مغلقة بطلب فرنسي لمناقشة الوضع المتدهور في لبنان والترتيبات الممكنة لمرحلة ما بعد اليونيفيل. وبحسب Security Council Report، فإن النقاش لم يقتصر على مصير القوة، بل تناول نماذج مختلفة لإبقاء حضور أممي يساعد في تنفيذ القرار 1701 بعد انتهاء المهمة الحالية. 

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

الأمين العام للأمم المتحدة وضع أمام المجلس ثلاثة تصورات لحضور دولي جديد. الخيارات المتداولة تتدرج من قوة خفيفة بنحو 1980 عنصراً، مروراً بصيغة متوسطة تقارب 3370، وصولاً إلى قوة أكبر تقارب 5525 عنصراً، تكون أكثر قدرة على مراقبة الخط الأزرق والتحقق من الخروقات والتنسيق ودعم انتشار الجيش اللبناني. 

أي أن اليونيفيل قد تنتهي باسمها وصيغتها الحالية، لكن الوجود الدولي في الجنوب ليس بالضرورة في طريقه إلى النهاية.

واشنطن تريد نهاية اليونيفيل

الموقف الأميركي هو العقدة الأساسية. الولايات المتحدة كانت القوة الرئيسية التي دفعت العام الماضي باتجاه وضع تاريخ نهائي لمهمة اليونيفيل، ولوّحت خلال المفاوضات بإمكان استخدام الفيتو إذا لم يتضمن القرار موعداً واضحاً لإنهائها. وحتى الآن لا تبدو واشنطن متحمسة للتراجع عن هذا المسار. 

في المقابل، ترى دول أخرى في مجلس الأمن أن عودة التصعيد تشكل دليلاً على خطورة ترك الجنوب من دون حضور دولي.

وهذه ليست خشية نظرية. اليونيفيل أعلنت في 17 آب أنها رصدت ارتفاعاً كبيراً في النشاط العسكري الإسرائيلي، وسجلت خلال الفترة بين 5 و16 آب معدلاً بلغ 137 مقذوفاً يومياً، فيما استمرت الغارات وعمليات الهدم والأعمال الهندسية الإسرائيلية داخل منطقة عملياتها. 

لبنان يتمسك بالحضور الدولي

بيروت تحاول منع الوصول إلى فراغ كامل. الرئيس جوزاف عون أعلن أن الخيار اللبناني المفضل هو استمرار اليونيفيل، وإذا تعذر ذلك فالمطلوب إيجاد صيغة قانونية تضمن بقاء قوات دولية في الجنوب.

وهذا الموقف يحظى أيضاً بغطاء نيابي واسع؛ فقد نُقلت إلى مجلس الأمن رسالة وقعها 86 نائباً لبنانيًا تدعو إلى المحافظة على وجود اليونيفيل. 

المفارقة أن لبنان يطالب ببقاء القوة الدولية في اللحظة نفسها التي ما زال فيها الاحتلال الإسرائيلي موجوداً داخل أراضيه.

وهنا السؤال الذي يجب ألا يضيع

القرار 2790 لم يتحدث عن لبنان وحده.

النص نفسه أعاد التأكيد على سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ودعا إسرائيل إلى الانسحاب من المواقع التي تحتلها شمال الخط الأزرق، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني. 

لذلك فإن اختزال النقاش الدولي في مستقبل سلاح المقاومة وانتشار الجيش، مع تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى بند مؤجل، يقلب منطق القرار رأساً على عقب.

فالقرار 1701 ليس طريقاً باتجاه واحد.

الأخطر: «المناطق التجريبية»

التطور الأكثر حساسية أن الإطار التفاوضي الثلاثي يتحدث عن تولي الجيش تدريجياً المسؤوليات الأمنية في «مناطق تجريبية» بعد أن تتحقق «جهة ثالثة متفق عليها» من غياب المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة والأسلحة والبنى التحتية المرتبطة بها.

لكن هوية هذه الجهة الثالثة لم تُحسم حتى الآن. 

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يجري البحث عن بديل لليونيفيل، أم عن قوة دولية بوظيفة مختلفة؟

الفارق هائل.

فوجود دولي مهمته مراقبة الخط الأزرق، تسجيل الانتهاكات، منع الاحتكاك، مساعدة الجيش وضمان عودة السكان شيء؛ ووجود تصبح وظيفته الأساسية التحقق داخل الأراضي اللبنانية وفق شروط تفاوضية جديدة شيء آخر تماماً.

ولا يوجد حتى الآن قرار نهائي يقول إن السيناريو الثاني سيُعتمد، ولذلك يجب عدم تقديمه كأمر محسوم.

لماذا يتمسك لبنان باليونيفيل؟

لسبب قلما يحظى بما يستحقه من اهتمام: الشاهد الدولي.

اليونيفيل لا تمنع إسرائيل عسكرياً من شن غارة، لكنها ترصد وتوثق وترفع تقارير إلى الأمم المتحدة.

وقبل يومين فقط، قالت المتحدثة باسم القوة إن جنود اليونيفيل يشاهدون نشاطاً عسكرياً إسرائيلياً واسعاً ووجوداً لقوات إسرائيلية في مناطق من الجنوب، إضافة إلى تحليق الطائرات والغارات وعمليات الهدم. كما تحدثت عن أحياء وقرى تعرضت لدمار كبير. 

خروج هذه العين الدولية من الميدان من دون بديل يمتلك صلاحية المراقبة والتوثيق يعني خسارة لبنان إحدى أدواته الدولية القليلة على الأرض.

المعركة ليست على عدد الجنود

لهذا فإن النقاش الحقيقي يجب ألا يكون: 10 آلاف جندي أم 5 آلاف أم ألفان.

المعركة على المهمة والصلاحيات والمرجعية.

من يراقب من؟

من يسجل الخروقات؟

هل ستكون القوة موجودة على جانبي معادلة 1701 أم ستتركز مهمتها داخل الأراضي اللبنانية؟

ومن سيضمن الانسحاب الإسرائيلي إذا أصبح المطلوب من لبنان تنفيذ التزاماته أولاً وانتظار المقابل لاحقاً؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من اسم القوة التي ستنتشر.

الجنوب أمام مفترق

لبنان يحتاج إلى جيش قوي قادر على حماية حدوده، ولا يمكن أن تكون القوات الدولية بديلاً دائماً عن الدولة. لكن الانتقال من اليونيفيل إلى الجيش لا يمكن أن يتم فيما يبقى الاحتلال على الأرض، والغارات في السماء، والقرى الحدودية مدمرة.

ولهذا فإن أي صيغة لما بعد اليونيفيل يجب أن تبدأ من قاعدة واضحة:

انسحاب إسرائيل، وقف الاعتداءات، تثبيت حق الأهالي بالعودة، دعم الجيش، ثم بناء ترتيبات أمنية تحمي السيادة اللبنانية لا ترتيبات تجعل الجنوب منطقة اختبار دائمة.

فالخطر ليس فقط أن ترحل اليونيفيل.

الخطر أن ترحل اليونيفيل التي عرفها لبنان، ثم تأتي مكانها صيغة جديدة تُكتب صلاحياتها على قياس الشروط التي عجز الاحتلال عن فرضها في الميدان.

وهنا تحديداً تستحق معركة مجلس الأمن أن تُراقَب كلمةً كلمة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي