بعد سبع جولات من المفاوضات، لا يحتاج اللبناني إلى كثير من التحليل كي يسأل السؤال الأبسط والأقسى: ماذا عاد لبنان من روما؟
حتى صباح اليوم، لا يزال موعد الجولة الثامنة غير محسوم رسمياً، فيما لم يتحقق اختراق ملموس في جوهر الملفات التي دخل لبنان التفاوض من أجلها: الانسحاب الإسرائيلي، وقف الاعتداءات، استعادة الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم. وفي المقابل، رفضت إسرائيل توسيع ما يسمى «المناطق التجريبية»، واستمرت عملياتها العسكرية في الجنوب.
المشكلة لم تعد في مبدأ التفاوض نفسه. فالدول تفاوض خصومها، والحروب تنتهي غالباً إلى طاولات سياسية. المشكلة هي: بأي أوراق دخل لبنان إلى الطاولة، وماذا أخذ مقابل ما قدّمه؟
الرئيس جوزاف عون لا يزال متمسكاً بالتفاوض، باعتباره أفضل من العودة إلى الحرب، ومطالب الدولة المعلنة واضحة: تحرير الجنوب، انتشار الجيش حتى الحدود، استعادة الأسرى، عودة الأهالي وإعادة الإعمار. وهذه أهداف لا خلاف على مشروعيتها.
لكن بين الهدف والنتيجة مسافة اسمها «ميزان القوة التفاوضي».
فحين يدخل طرف إلى المفاوضات وهو يراهن بصورة شبه كاملة على الوسيط، بينما يحتفظ خصمه بالأرض التي يحتلها وبقدرته على القصف والتصعيد، يصبح السؤال مشروعاً: من يضغط على من؟
الأخطر أن الخلاف لم يعد تقنياً. إسرائيل ربطت الانسحاب بملف سلاح المقاومة، وظهرت خلال جولات روما مطالب إضافية تتصل بآليات التحقق والتفتيش والمناطق التجريبية، بينما بقي الانسحاب اللبناني المطلوب مؤجلاً.
وهنا جاء خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم مساء الجمعة ليعلن مواجهة سياسية صريحة مع المسار القائم. قاسم دعا إلى إسقاط الاتفاق الإطاري، وقال إن المفاوضات لم تحقق وقف الحرب ولا الانسحاب الإسرائيلي، وجدد رفض الاستسلام والمناطق التجريبية وآلياتها المقترحة.
يمكن الاختلاف مع حزب الله حول خياراته وحساباته، لكن يصعب تجاوز السؤال الذي يطرحه الواقع نفسه:
إذا كانت سبع جولات لم تنتزع انسحاباً كاملاً، ولم توقف الاعتداءات، ولم تُعد الأسرى، فبأي منطق يُطلب من لبنان أن يواصل تقديم أوراقه قبل أن يحصل على مقابل؟
في التفاوض، النيات الحسنة ليست ضمانة، والوعود الدولية ليست ورقة قوة بحد ذاتها. المفاوض المحترف لا يتخلى عن أوراقه ثم ينتظر أن يكافئه خصمه، بل يربط كل خطوة بخطوة مقابلة، وكل التزام بالتزام، وكل تنازل بثمن واضح.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء السياسة لمصلحة الحرب، ولا الحرب لمصلحة السياسة، بل إعادة بناء المعادلة اللبنانية: دولة تفاوض من موقع قوة، ومقاومة تُناقش أوراقها داخل استراتيجية وطنية، وجيش يُدعَم ليحمي الأرض، ووحدة داخلية تمنع الخارج من التفاوض على لبنان بدلاً من اللبنانيين.
لقد جُرّبت سياسة تقديم التنازلات أملاً في استدراج المقابل. والنتيجة حتى الآن أن الاحتلال لم يرحل، والاعتداءات لم تتوقف، فيما أصبحت الشروط المطروحة على لبنان أكبر.
لذلك قد يكون السؤال الذي يجب أن يسبق أي رحلة جديدة إلى روما ليس: متى تبدأ الجولة الثامنة؟
بل:
ماذا سيأخذ لبنان هذه المرة قبل أن يعطي؟
لأن من يذهب إلى طاولة التفاوض بلا أوراق، قد يعود منها محمّلاً بأوراق خصمه.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :