الضجة مستمرة حول مانيفستو «اليسار» الإمبريالي | عريضة «الغارديان»: حقوق الإنسان أم تبرير العدوان؟

الضجة مستمرة حول مانيفستو «اليسار» الإمبريالي | عريضة «الغارديان»: حقوق الإنسان أم تبرير العدوان؟

تحت غطاء التضامن مع السجناء السياسيين الإيرانيين، تثير عريضة «الغارديان» سؤالاً أبعد من النيات المعلنة: متى تتحوّل لغة حقوق الإنسان إلى حصان طروادة للتدخل؟ من العراق إلى إيران، خبرت المنطقة كيف يمكن لخطاب «التحرير» أن يعيد إنتاج المنطق الإمبريالي، وأن يمهّد أخلاقياً للحرب باسم إنقاذ الشعوب

 
 
تحت عنوان شاعري يخفي وراءه حمولة سياسية ثقيلة، نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية في 20 آب (أغسطس) رسالةً مفتوحة إلى السجناء السياسيين في إيران، تصفهم بأنهم عالقون «بين شفرتي مقص»: شفرة الجمهورية الإسلامية من جهة، وشفرة القوى «الإمبريالية» الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى.
 
حملت الرسالة توقيعات أسماء كبيرة في اليسار الفكري العالمي، من بينها: أنجيلا ديفيس، وجوديث بتلر، وروث ويلسون غيلمور، ورشيد الخالدي، وسنان أنطون، وروبن دي. جي. كيلي وآخرون. للوهلة الأولى، تبدو الرسالة عصيةً على الاعتراض. إدانة للقمع الإيراني، وإدانة للحرب الأميركية الإسرائيلية في آنٍ واحد، وتضامن مع السجناء السياسيين. غير أنّ ما انفجر بعد نشرها لم يكن خلافاً على ضرورة الدفاع عن المعتقلين الإيرانيين، وإنما على القصدية السياسية للرسالة، وعلى الطريقة التي جمعت بها التوقيعات.
 
فقد سحب روبن دي. جي. كيلي توقيعه لاحقاً، موضحاً أنّ ظروف طلب التوقيع كانت ملتبسة، وأن ما نشر لم يكن مطابقاً تماماً لما رآه في البداية. كما أعلنت الأكاديمية نسرين الأمين أن اسمها لم يكن ينبغي أن يظهر في الرسالة أصلاً، مع اعتراضها على مضمونها وعلى الطريقة التي أُضيف بها اسمها، ولا سيما ما اعتبرته مساواةً مضرة وزائفة بين إسرائيل وإيران. كما أثيرت أسئلة حول إدراج اسم موميا أبو جمال، السجين السياسي الأميركي، في قائمة الموقعين، في وقت ظهرت فيه رسالة منه تعبّر عن موقف مختلف جذرياً من الحرب. هكذا انتقلت العريضة من كونها نصاً تضامنياً إلى مانيفستو إمبريالي ناعم، وتحوّلت القضية من دعم وتضامن إلى أزمة ثقة في إنتاج النص.
«بين شفرتي مقص»: إيران وأميركا على الدرجة نفسها
 
تكمن عقدة العريضة أولاً في استعارتها المركزية، تلك التي تختصر المأساة الإيرانية في شعب عالق «بين شفرتي مقص»: شفرة الجمهورية الإسلامية التي تخنق مواطنيها، وشفرة الولايات المتحدة وإسرائيل التي تقصف البلاد. تبدو الصورة، في ظاهرها، «عادلة» وتقدمية؛ شعب محاصر من جهتين، ونصّ يعلن تضامنه مع هذا الشعب الذي يقع بين «الشفرتين». غير أنّ البلاغة هنا تؤدي عملاً سياسياً يتجاوز جمال الاستعارة. هي تضع قوتين مختلفتين في طبيعة سلطتهما وموقعهما التاريخي داخل تركيب واحد، ثم تجعل الإيراني جسداً محشوراً بينهما، هذا من دون أن ننسى أنها تتماهى حد الامحاء مع الدعاية الأميركية التي تزعم أن النظام الإيراني قاتل متسلسل لا يفعل شيئاً سوى قتل شعبه.
 
لقد رأينا شيئاً قريباً من هذه اللغة عشية الغزو الأميركي للعراق عام 2003. يومها، تحوّلت معاناة العراقيين تحت حكم صدام حسين إلى مدخل لسردية أوسع عن الحرية والديمقراطية والخلاص من الديكتاتور. وقّع مثقفون وكتّاب عرب وعراقيون عرائض تطالب برفع الظلم عن العراقيين، وكان بعضهم يرى في سقوط النظام فرصة لاستعادة بلد مخنوق تحت الاستبداد. لكنّ الحرب سرعان ما ابتلعت هذه اللغة، وأعادت توظيف مفردات التحرير والديمقراطية في تبرير الغزو والاحتلال. هكذا اكتشف كثيرون، بعد فوات الأوان، أنّ اللغة التي تكتب دفاعاً عن شعب تقتطع من سياقها وتسلَّم إلى القوة التي تزعم أنها جاءت لإنقاذه.
 
ومهما يكن شأن الجمهورية الإسلامية، ومهما ثقلت عللها السياسية والأخلاقية، فإن وضعها في كفة واحدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق.
 
رأينا شيئاً مشابهاً لهذه اللغة عشية الغزو الأميركي للعراق عام 2003
 
 
تثير هذه العريضة القلق في أكثر من مكان. إنها مثيرة للقلق أكثر مما توحي به عباراتها المعلنة. صحيح أنها تدين الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكنها تجعل خلاص الإيرانيين من الجمهورية الإسلامية محوراً أساسياً في سرديتها. وحين تتزامن هذه السردية مع حربٍ قائمة، وتنشرها مؤسسة إعلامية غربية واسعة النفوذ، يُفتح سؤال لا يمكن تجاهله: هل يكفي أن نقول إننا ضد الحرب، إذا كانت اللغة التي نصف بها النظام الإيراني تهيئ، في الوقت نفسه، المخيال الأخلاقي لفكرة «تحرير» الإيرانيين منه؟
 
يكفي أحياناً أن نردد المطالب الأميركية، وتعاطينا مع الشعب الإيراني على أنه شعبٌ يحتاج إلى الإنقاذ، وأن يُترك للقوة الخارجية دور المنقذ في الخلفية حتى تبدأ الحرب (والحرب الحديثة تعني الإبادة). تدخل الإمبريالية من الباب الذي تركته اللغة موارباً، تدخل على سبيل المثال، من سؤال «كيف نخلّص الإيرانيين من نظامهم؟».
 
من «إنقاذ الإيرانيين» إلى قابلية التدخل
والتاريخ الاستعماري يعرف هذه اللغة جيداً. تبدأ الحكاية بشعب يعاني من حاكم مستبد، ثم تتقدم القوة الخارجية إلى المشهد بوصفها طرفاً مخلصاً لا يملك إلا أن يتدخل لإنقاذه. يتحول القصف تدريجياً من عدوان إلى «ضغط»، ومن ضغط إلى «تحرير»، ومن احتلال إلى «مهمة إنسانية» (ومن ثم تحضر المنظمات غير الحكومية لتنظيف معالم الجريمة).
 
العراق لا يزال المثال الذي يصعب تجاوزه. فقد استُخدمت جرائم نظام صدام حسين، وهي جرائم حقيقية، داخل بنية خطابية أوسع انتهت إلى جعل الغزو الأميركي يبدو، أمام قطاعات من الرأي العام، كأنه خلاص للعراقيين. سنان أنطون الذي سحب توقيعه من العريضة المنشورة في «الغارديان»، كتب، في الذكرى العشرين لغزو العراق، عن الكارثة التي خلّفها ذلك الوعد بـ«العراق الجديد»، محذراً من الذاكرة التي تبيع الحرب باعتبارها تحريراً. الأهم أن أنطون نشر في شباط (فبراير) 2026 نصاً عن الحرب على إيران استعاد فيه تجربة العراق، محذراً من عودة لغة «الصدمة والرعب» ومن تحويل القصف الأميركي إلى طريق للخلاص.
 
حين يصبح التوقيع هو القصة
لم يقل جميع المنسحبين من العريضة الشيء نفسه ولم يرددوا الحجة نفسها، ولا يمكن حتى اختزال اعتراضاتهم في موقف سياسي واحد. لكن ما يجمع الاعتراضات التي ظهرت حتى الآن هو الشك في الطريقة التي تحولت بها موافقة أولية إلى نص منشور يحمل أسماءهم.
وهذا ما يزيد القضية لبساً. فالتوقيع بشكل ما هو رأس مال رمزي. حين تحمل جملة توقيع أكاديمي مثل رشيد الخالدي، أو كاتب وشاعر وروائي مثل سنان أنطون، أو مفكرة مثل أنجيلا ديفيس، فإنها تكتسب شرعية تاريخية تتجاوز عباراتها، بالتالي، يغدو التساؤل حيال التوقيع جزءاً من السؤال عن الخطاب: من كتب العريضة؟ ومن طلب التوقيع؟ وماذا عرض على الموقعين قبل أن تظهر الرسالة في «الغارديان»؟
 
الرسالة الحالية تدعو، من جهة، إلى الضغط على الجمهورية الإسلامية للإفراج عن السجناء ووقف الإعدامات؛ ومن جهة أخرى، تدعو القوى المناهضة للإمبريالية إلى عدم تحويل رفض الحرب الخارجية إلى صمت عن قمع النظام الإيراني. لكن هذا التركيب، مهما حسنت النوايا التي تقف خلفه، ينتج أثراً سياسياً؛ إعادة تكرار السردية الأميركية حول الإعدامات، هذه الحجة التي كادت أن تتسبب في إلقاء قنبلة نووية على إيران وشعبها.
 
ومن ثم، نحن إزاء تقويض الحقيقة وإبعادها عن مسارها، بدلاً من كون الحرب مع إيران صراعاً على السيادة، فقد صارت المسألة «تحرير» الإيرانيين من نظام داخلي وليس عدواناً خارجياً على إيران التي تقاتل من أجل سيادتها. والحال هذه، يبدو كأننا أمام أسلوب آخر من الهيمنة الناعمة. هناك من يقول «لا تضربوا إيران» غير أنه يحثّ الإيرانيين على تغيير نظامهم. إنها الحرب القادمة من الباب الخلفي. عريضة تقدم نفسها أنها تدافع عن حق الشعب الإيراني، وإحدى الأدوات الممكنة لإنقاذه، بينما أي تغيير للنظام سيتسبّب في حرب أهلية.
تبدو قصة عريضة «الغارديان» أكبر من عريضة. من جهةٍ إنها اختبار للغة اليسار الغربي أمام الإمبريالية، واختبار للمثقفين الذين عرفوا طويلاً كيف تتحول الكلمات إلى أسلحة في يد القوة، ومن جهةٍ أخرى هي شكل من أشكال تحريض الشعب الإيراني (والرأي العام العالمي) وحثه على تكرار سيناريو أكثر فصول الربيع العربي قتامةً ودمويةً.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي