افتتاحية ICON NEWS:
ليس أخطر ما يواجه لبنان اليوم أن المفاوضات مع العدو الإسرائيلي متعثرة، ولا أن الجولة الثامنة تبحث عن موعد في روما، ولا حتى أن اسم «علي الطاهر» أصبح يتردد في الصالونات الدبلوماسية أكثر مما يتردد اسم أي بند سياسي آخر.
الأخطر أن الوقت نفسه تحوّل إلى سلاح.
فبينما ينتظر لبنان الجولة التالية من المفاوضات، لا تنتظر إسرائيل. الغارات مستمرة، المنازل تُنسف، الأراضي تُجرّف، السواتر تُرفع، والضغط ينتقل من نقطة إلى أخرى على امتداد الجنوب. وفي الأيام الأخيرة اتسعت العمليات من المنصوري ومجدل زون إلى بنت جبيل ومحيط علي الطاهر، بما يجعل الأرض تتحرك أسرع من الطاولة التي يفترض أن تبحث مصيرها.
هنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى.
يقول رئيس الجمهورية جوزف عون إن «لا خيار إلا التفاوض»، وإن أهداف لبنان هي تحرير الجنوب، وانتشار الجيش حتى الحدود، واستعادة الأسرى، وإعادة الأهالي والإعمار. وهي أهداف لا يختلف لبنانيان على مشروعيتها. لكن التفاوض ليس قيمة قائمة بذاتها؛ قيمته بما ينتجه، وبقدرته على منع الخصم من تحسين شروطه بالنار أثناء الجلوس إلى الطاولة.
فماذا يحدث عندما يتفاوض طرف، بينما يواصل الطرف الآخر تعديل الخريطة التي يجري التفاوض عليها؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الدولة قبل السؤال عن موعد «روما 3».
ما يجري في الجنوب يستحق قراءة أبعد من تعداد الغارات.
ليس ضروريًا أن يستيقظ اللبنانيون ذات صباح على إعلان اجتياح واسع حتى يقال إن الواقع الميداني تغير. هناك طريقة أقل ضجيجًا وأكثر خبثًا: ضربة هنا، تفجير هناك، تجريف في نقطة ثالثة، حركة عسكرية محدودة، منطقة تصبح أصعب على أهلها، ثم واقع جديد يدخل لاحقًا إلى غرفة التفاوض باعتباره أمرًا قائمًا.
إنها، بالنتيجة، سياسة القضم.
وخطورتها أن كل خطوة تبدو صغيرة إذا قُرئت منفردة، لكن جمع الخطوات على الخريطة يكشف شيئًا آخر تمامًا: العدو لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال عشرات الكيلومترات دفعة واحدة إذا استطاع تحسين موقعه مئات الأمتار في كل مرة، ثم تحويل كل تقدم ميداني إلى ورقة سياسية.
وتلفت «الأخبار» نفسها إلى هذه المعضلة، معتبرة أن التوغلات والسواتر والهدم والتجريف قد تخلق وقائع تتحول لاحقًا إلى أوراق تفاوضية. أما «النهار» فتربط انسداد التفاوض مباشرة بمصير مرتفعات علي الطاهر.
ثم جاء السفير الأميركي ميشال عيسى ليقدم واحدة من أكثر العبارات دلالة في المرحلة الحالية.
فبدل أن يكون السؤال: متى توقف إسرائيل اعتداءاتها وتنسحب من الأرض اللبنانية؟ أصبح السؤال الأميركي عمليًا: ماذا سيقدم حزب الله؟
عيسى قال إنه لم يتم التوصل إلى اتفاق لوقف الاعتداءات لأن حزب الله لم يسلم سلاحه، وفتح في الوقت نفسه الباب نظريًا أمام التفاوض معه إذا كان لديه «شيء يقدمه».
وهنا تغير مهم لا ينبغي المرور عليه سريعًا.
فالطرف الذي كان يُراد إخراجه من أي معادلة سياسية، أصبح الأميركي يتحدث عن إمكان التفاوض معه.
وهذا وحده اعتراف بأن الوقائع أكثر تعقيدًا من الشعارات التي رُفعت طوال الأشهر الماضية.
لكن الأخطر أن واشنطن تحاول رسم ترتيب زمني معكوس: المطلوب من لبنان معالجة ورقة القوة الموجودة لديه، بينما لا يظهر حتى الآن التزام موازٍ يلزم إسرائيل بوقف النار والانسحاب أولًا.
أي أن لبنان مدعو إلى تقديم ما لديه على الطاولة، فيما تحتفظ إسرائيل بما لديها على الأرض.
وهذه ليست مفاوضات متوازنة.
من هنا يصبح مفهومًا لماذا تحولت علي الطاهر إلى كلمة سر.
المسألة ليست بضعة مرتفعات فقط. فإذا أصبحت كل نقطة ميدانية لبنانية محل اختبار يسبق التفاوض، فإن النموذج قابل للتكرار: ضغط عسكري، ثم مطالبة لبنانية، ثم انتظار أميركي، ثم إدخال الواقع الجديد إلى المفاوضات.
وعندها لن يكون السؤال: هل تقع معركة علي الطاهر؟
بل: هل أصبحت الجغرافيا اللبنانية نفسها وسيلة لإجبار بيروت على التفاوض تحت النار؟
حتى الآن لا توجد معطيات موثوقة تسمح بالجزم بأن قرار السيطرة على التلة قد اتخذ، لكن السفير الأميركي نفسه قال إن واشنطن تترقب ما سيحدث هناك خلال الأيام المقبلة، وهي عبارة تكفي وحدها لتبيان مقدار الثقل الذي بات يحمله هذا الموقع في الحسابات السياسية والعسكرية.
وسط هذه الصورة القاتمة، دخل إلى بيروت وفد اقتصادي إماراتي كبير، في زيارة حملت حديثًا عن الاستثمار والشراكات وإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية. وقد اعتبرت «النهار» الزيارة الاختراق الحقيقي في مشهد الأزمات اللبنانية المقفلة.
وهذه فرصة لا ينبغي التقليل من شأنها.
لكن الاستثمار لا يعيش على النيات الحسنة وحدها.
رأس المال يريد كهرباء وقضاءً ومؤسسات وقوانين واستقرارًا، وقبل كل ذلك يريد دولة تعرف أين تبدأ حدودها ومن يحميها.
فكيف يستطيع لبنان أن يبيع المستثمر صورة «البلد العائد»، فيما قرى جنوبه تُقصف ويُعاد تشكيل بعض جغرافيتها بالقوة؟
هذه ليست حجة ضد الاستثمار، بل العكس تمامًا.
إنها حجة لكي تفهم السلطة أن السيادة والاقتصاد ليسا ملفين منفصلين. الدولة التي تعجز عن حماية أرضها ستدفع اقتصاديًا، والدولة التي تفشل في بناء اقتصاد منتج ستصبح أكثر ارتهانًا لمن يمولها سياسيًا.
لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى ثنائية ساذجة بين من يريد الحرب ومن يريد السلام.
لا أحد عاقل يريد حربًا جديدة يدفع أهل الجنوب ولبنان ثمنها.
والتفاوض أداة مشروعة عندما يحمي الحقوق ويستعيد الأرض ويوقف العدوان.
لكن الاعتراض يبدأ عندما يتحول التفاوض إلى غرفة انتظار، فيما يعمل العدو خارجها بلا توقف.
إذا كان خيار الدولة هو التفاوض، فعليها أن تقول للبنانيين بوضوح: ما سقفه؟ ما ضماناته؟ ماذا حصل لبنان في مقابل ما قدمه؟ ومن يضمن ألا تصبح المنطقة التي تُقضم اليوم بندًا تفاوضيًا غدًا؟
أما مطالبة اللبنانيين بالصبر على التفاوض من دون وقف النار، ومن دون جدول واضح للانسحاب، فيما تتغير الوقائع جنوبًا، فهي ليست استراتيجية مكتملة.
إنها إدارة للوقت.
والوقت حاليًا لا يعمل لمصلحة لبنان.
لقد استُهلكت عبارة «حصرية السلاح» حتى كادت تختصر مفهوم الدولة كله.
لكن الدولة ليست حصرية السلاح فقط.
الدولة حصرية السيادة والقرار والحماية والمسؤولية أيضًا.
وعندما يُطلب من اللبناني أن يضع ثقته كاملة بالدولة، فمن حقه أن يسألها في المقابل: ماذا تفعل هذه الدولة عندما يُحرق منزله؟ عندما تُجرف أرضه؟ عندما يمنع من العودة إلى قريته؟ وعندما يبقى جزء من وطنه تحت الاحتلال؟
هذه الأسئلة لا تُطرح لإضعاف الدولة.
بل لأن دولة لا تستطيع الإجابة عنها تحتاج إلى تقوية حقيقية، لا إلى الاكتفاء بترديد تعريف نظري للسيادة.
في الخلفية، تتحرك المنطقة كلها. أزمة هرمز، الحرب الاقتصادية على إيران، الحسابات الأميركية، الانتخابات الإسرائيلية، وسوريا التي يعاد تركيب توازناتها، كلها ملفات تتقاطع بصورة أو بأخرى مع لبنان. وبعض الصحف المحلية قرأ المشهد اللبناني بالفعل ضمن هذه اللوحة الإقليمية الأوسع.
لكن انتظار التسويات الكبرى ليس سياسة.
لبنان لا يستطيع اختيار موعد الانتخابات الإسرائيلية، ولا قرار واشنطن، ولا شكل التسوية الأميركية الإيرانية.
ما يستطيع فعله هو ألا يسمح بتحويل الوقت الفاصل بين جولة تفاوضية وأخرى إلى مساحة مجانية يغيّر فيها العدو الوقائع.
وهنا تحديدًا تقع مسؤولية الدولة.
إذا اختارت التفاوض، فلتفاوض من موقع دولة تطالب بوقف النار والانسحاب وعودة أهلها وتثبيت حقوقها، لا من موقع طرف يُطلب منه في كل جولة تقديم عربون جديد كي يحصل على حق كان يفترض أن يكون أصلًا موضوع التفاوض.
فالخطر اليوم ليس أن تفشل جولة روما المقبلة.
الخطر أن تصل روما متأخرة، بعد أن تكون إسرائيل قد سبقتها إلى الأرض.
وإذا كان القضم يتم نقطةً بعد أخرى، فإن السيادة قد تضيع بالطريقة نفسها: ليس بقرار واحد كبير، بل بتنازل صغير يتبعه انتظار، ثم انتظار يتبعه أمر واقع.
وعندها لن يكون السؤال: متى تبدأ الجولة الثامنة؟
بل سيكون السؤال الأكثر مرارة:
أي جنوب سيبقى على الطاولة عندما تبدأ؟
ويبقى سؤال لا يجوز أن يضيع بين روما وواشنطن وتلة علي الطاهر.
من هرول إلى خيار المفاوضات، وطبّل وزمّر له باعتباره الممر الإجباري إلى وقف الاعتداءات واستعادة الأرض، مطالب اليوم بأن يخبر اللبنانيين: ماذا أحضر معه من تلك المفاوضات؟
أين وقف الاعتداءات؟ أين الانسحاب؟ أين عودة الأهالي الآمنة إلى قراهم؟ أين الأسرى؟ وأين الضمانات التي تمنع العدو من مواصلة الهدم والتجريف وفرض الوقائع الجديدة؟
المطلوب ليس رفض التفاوض لمجرد رفضه، ولا الدعوة إلى حرب يدفع اللبنانيون ثمنها. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: كشف حساب.
فمن طالب اللبنانيين بأن يراهنوا على الدبلوماسية وحدها، عليه أن يضع أمامهم حصيلتها. ومن قال إن التفاوض سيعيد للدولة قرارها وأرضها، عليه أن يفسر لماذا لا تزال الأرض تحت النار، ولماذا تتسع عمليات القضم فيما تتعثر جولات التفاوض.
والأهم، لا يجوز أن تتحول كل جولة لم تحقق شيئًا إلى مبرر لجولة أخرى، وكل تنازل إلى مقدمة للمطالبة بتنازل جديد.
السياسة تُقاس بالنتائج، لا بحجم التصفيق لها.
ولهذا ننتظر ممن هرول وطبّل وزمّر للمفاوضات أن يخرج إلى اللبنانيين، لا ليحدثهم عن الجولة المقبلة، بل ليخبرهم أولًا: ماذا أحضر معه من الجولات السابقة؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :