من البوارج إلى المصارف... واشنطن تشنّ «حرب الخنق» على إيران ولبنان في قلب الفاتورة

من البوارج إلى المصارف... واشنطن تشنّ «حرب الخنق» على إيران ولبنان في قلب الفاتورة

 

 

 

 

خاص آيكون نيوز

لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران محصورة بالصواريخ والبوارج ومضيق هرمز، بعدما قررت الإدارة الأميركية نقلها إلى أخطر ساحاتها: المصارف، وشركات الشحن، وتجارة النفط، والتحويلات المالية، والدول التي ما زالت تتعامل مع إيران.

ففي إعلان يحمل أكثر من دلالة، كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن واشنطن تستعد لفرض ما وصفه بـ«أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران، على أن تُكشف تفاصيل الحزمة الجديدة يوم الاثنين المقبل.

ولم يُخفِ بيسنت أن الهدف يتجاوز الضغط لتحسين شروط التفاوض، إذ تحدث عن ضربة مزدوجة تجمع بين الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، معتبراً أنها قادرة على دفع الحكومة الإيرانية نحو الانهيار. أما الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فهدد الدول والشركات التي تواصل تقديم الدعم الاقتصادي لطهران بعواقب غير مسبوقة، في محاولة لتحويل التعامل مع إيران إلى مخاطرة مالية وسياسية على المستوى العالمي. 

العقوبات لم تعد ورقة ضغط

المعطيات الأميركية تكشف أن العقوبات المقبلة لن تكون نسخة موسعة عن التدابير التقليدية التي عرفتها إيران على مدى عقود، بل محاولة لبناء جدار مالي وتجاري حولها، يستهدف النفط والمصارف وشركات التأمين والنقل البحري والتحويلات والشركات الوسيطة.

وهنا تكمن خطورة «العقوبات الثانوية»، فهي لا تكتفي بمنع الشركات الأميركية من التعامل مع إيران، بل تهدد بمعاقبة أي شركة أو دولة أجنبية تواصل التجارة معها، ما يعني أن واشنطن تريد استخدام الدولار والنظام المصرفي العالمي لإجبار الآخرين على الانضمام إلى حربها الاقتصادية.

بهذا المعنى، لا تعاقب الولايات المتحدة إيران وحدها، بل تختبر قدرة العالم على رفض أوامرها المالية، وتضع حلفاءها وخصومها أمام معادلة واضحة: إما الانضمام إلى الحصار، وإما المجازفة بخسارة الوصول إلى الأسواق والمصارف الأميركية.

العقدة الصينية

تمثل الصين الاختبار الحقيقي للخطة الأميركية، إذ تستحوذ، وفق بيانات نقلتها «رويترز»، على أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المنقول بحراً.

ومن دون إغلاق السوق الصينية أمام طهران، ستبقى ثغرة كبيرة في جدار العقوبات. لكن استهداف بكين بعقوبات ثانوية قد ينقل المواجهة من حرب اقتصادية على إيران إلى صدام تجاري ومالي مباشر بين أكبر اقتصادين في العالم.

وتدرك واشنطن أن الصين ليست شركة صغيرة يمكن إخراجها من السوق بقرار من وزارة الخزانة، فهي تملك أوراقاً مقابلة، من المعادن النادرة إلى سلاسل التوريد والقدرة على الرد بإجراءات تطال المصالح الأميركية.

لذلك دعت بكين إلى معالجة الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية، مؤكدة أن العقوبات والضغط الاقتصادي لا يشكلان حلاً، في موقف يوحي بأنها لن تمنح واشنطن تعاوناً مجانياً في خنق أحد أبرز مورديها النفطيين. 

طهران تردّ بالدين الأميركي

إيران رفضت التهديدات الأميركية ووصفت العقوبات المرتقبة بأنها «إرهاب اقتصادي» يستهدف المواطنين العاديين، فيما اعتبر وزير الخارجية عباس عراقجي أن إعلان ترمب محاولة للهروب من الأزمة الداخلية الأميركية.

ولم يكن اختيار عراقجي لملف الدين الأميركي مصادفة، بعدما تجاوز الدين العام للولايات المتحدة مستوى 40 تريليون دولار. فالرد الإيراني يريد القول إن الدولة التي تهدد بخنق اقتصاد الآخرين تواجه بدورها ديوناً قياسية وفوائد متصاعدة وضغوطاً مالية داخلية. 

لكن السجال لا يلغي حقيقة أن إيران ستواجه مرحلة شديدة القسوة إذا نجحت واشنطن في تجفيف عائداتها النفطية، ومنعها من استخدام الشركات الواجهة وشبكات النقل والتحويل، وتشديد الرقابة على السفن والمصارف وشركات الصرافة.

النفط يصوّت قبل السياسة

لم تنتظر الأسواق إعلان التفاصيل الأميركية. ارتفع خام برنت بأكثر من 2 في المئة ليستقر عند 93.78 دولاراً للبرميل، فيما صعد الخام الأميركي إلى 87.83 دولاراً، في أعلى المستويات المسجلة منذ أواخر تموز.

وتكشف هذه القفزة أن الأسواق لا ترى العقوبات بديلاً هادئاً من الحرب، بل وجهاً آخر لها يمكن أن يدفع إيران إلى المزيد من التشدد في مضيق هرمز، ويرفع المخاطر على ناقلات النفط وشركات التأمين ومسارات الإمداد.

كلما ارتفعت احتمالات التصعيد، ازدادت كلفة الشحن والتأمين، حتى إن بقيت كميات النفط المتاحة مستقرة نسبياً. فالأسواق لا تسعّر البرميل الموجود فقط، بل تسعّر احتمال فقدانه أو تأخر وصوله أو تعرض ناقلته للخطر. 

لبنان داخل دائرة الاستهداف

في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه واشنطن استعدادها لتشديد الخناق على إيران، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على عشرة أشخاص قالت إنهم يشكلون شبكة لنقل الأموال إلى حزب الله.

وبحسب الرواية الأميركية، استخدمت الشبكة ناقلين يسافرون على متن رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، لنقل مبالغ قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات خارج النظام المالي الرسمي.

كما أعادت الخزانة الأميركية تصنيف حزب الله، رابطةً الإجراء مباشرة بعلاقته بإيران والحرس الثوري، ما يؤكد أن واشنطن تتعامل مع الساحة الممتدة من طهران إلى بيروت باعتبارها جبهة مالية واحدة، لا ملفات منفصلة. وهذه الادعاءات والتوصيفات تعود إلى وزارة الخزانة الأميركية، ولا تمثل توصيفاً تحريرياً من الموقع. 

تزامن الإجرائين ليس تفصيلاً. فالضغط على إيران سيترافق مع تشديد الرقابة على قنوات التمويل والتحويل وشركات الصرافة وحركة الأموال النقدية في لبنان، فيما يُرجّح أن تطلب واشنطن من السلطات اللبنانية والمؤسسات المالية والأمنية مزيداً من التعاون في ملاحقة الشبكات التي تضعها على لوائحها.

وهذا يعني أن ملف العقوبات لن يبقى اقتصادياً، بل سيدخل في قلب الاشتباك السياسي الداخلي، وفي حسابات التفاوض حول الجنوب والمقاومة والعلاقة مع إيران.

المواطن يدفع قبل السياسيين

الانعكاس الأكثر سرعة على اللبنانيين سيأتي من أسعار النفط. فلبنان يستورد حاجاته من المحروقات، وأي ارتفاع في الأسعار العالمية أو تكاليف النقل والتأمين سيظهر في فاتورة البنزين والمازوت والكهرباء والنقل والسلع.

ومع تراجع التغذية الكهربائية واعتماد شرائح واسعة من اللبنانيين على المولدات الخاصة، يتحول ارتفاع المازوت إلى ضريبة شهرية مباشرة على المنازل والمتاجر والمؤسسات.

ثم تنتقل الصدمة من المحروقات إلى كلفة نقل المواد الغذائية وتشغيل المصانع والمستشفيات والأفران وضخ المياه، فتتوسع دائرة الغلاء حتى تطال السلع التي لا علاقة مباشرة لها بالنفط.

وفي بلد تسيطر فيه كارتيلات المحروقات والمولدات على مفاصل أساسية من حياة الناس، بينما تغيب السياسات الوقائية وشبكات الحماية، لا تصل الأزمات الخارجية إلى المواطن بوصفها أخباراً دولية، بل فواتير إضافية تُفرض عليه من دون أن يملك القدرة على الاعتراض.

حرب على إيران أم اختبار للعالم؟

ما تفتحه واشنطن ليس مجرد فصل جديد من العقوبات على إيران، بل اختبار لقدرة الولايات المتحدة على إبقاء النظام المالي العالمي تحت إدارتها، وإجبار الصين والدول الأخرى على تنفيذ قراراتها.

إذا امتثلت بكين، ستتعرض طهران لضربة قاسية في موردها النفطي الأساسي. وإذا رفضت، ستجد واشنطن نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: التراجع عن تهديداتها، أو فتح مواجهة اقتصادية مع الصين قد ترتد على التجارة والأسعار وسلاسل الإمداد في العالم كله.

أما إيران، فستحاول تحويل موقعها الجغرافي ومضيق هرمز وقدرتها على الصمود إلى أوراق مقابلة، لأن العقوبات التي تستهدف منعها من بيع النفط يمكن أن تدفعها إلى رفع كلفة مرور نفط الآخرين.

الخلاصة أن الحرب دخلت مرحلة لا تحتاج فيها إلى انفجار الصواريخ كي تُصيب الشعوب. يكفي قرار من وزارة الخزانة، أو تهديد لناقلة في مضيق، أو ارتفاع بضعة دولارات في سعر البرميل، حتى تنتقل المعركة من طهران وواشنطن إلى فاتورة مولد في بيروت.

وفي غياب خطة لبنانية للطاقة وحماية الأمن الاجتماعي، سيبقى المواطن اللبناني الحلقة الأضعف: لا يشارك في صناعة الحرب، ولا يجلس إلى طاولة التفاوض، لكنه يُستدعى دائماً لدفع الفاتورة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي