ICON NEWS | تقرير اقتصادي خاص | 17 آب 2026
دخلت أسواق النفط أسبوعاً جديداً تحت ضغط جيوسياسي استثنائي، مع بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة بالتزامن مع تعثر المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران والتراجع الحاد في حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.
وتحرك خام برنت خلال تعاملات صباح الاثنين قرب 89 دولاراً للبرميل، بعدما لامس نحو 89.40 دولاراً، فيما دار خام غرب تكساس الوسيط الأميركي قرب 83 دولاراً. وجاء ذلك بعدما حقق الخامان مكاسب تجاوزت 5 في المئة خلال الأسبوع الماضي.
من 79 إلى 89 دولاراً خلال أقل من أسبوعين
في 5 آب كان خام برنت عند نحو 79.45 دولاراً للبرميل، بينما بلغ الخام الأميركي 75.22 دولاراً. وبعد أقل من أسبوعين أصبح برنت قريباً من مستوى 89 دولاراً.
أي أن السوق أضافت نحو 10 دولارات إلى سعر البرميل خلال فترة قصيرة.
لكن هذه القفزة لا تعكس زيادة مفاجئة في الاستهلاك العالمي، بقدر ما تعكس ارتفاع ما يعرف في الأسواق بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية».
بمعنى آخر، المشترون لا يدفعون ثمن النفط الموجود في السوق اليوم فقط، بل يدفعون أيضاً ثمن الخوف من احتمال تعطل جزء من الإمدادات غداً.
هرمز… العقدة التي تحبس أنفاس أسواق الطاقة
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري إقليمي، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وتعبر من خلاله كميات ضخمة من صادرات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج.
ووفق بيانات نقلتها رويترز، انخفضت حركة السفن بصورة حادة خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ عبرت خمس سفن فقط يوم السبت، بينما لم تسجل حركة يوم الأحد، مقارنة بنحو 31 سفينة خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة.
وهذا التطور بالنسبة إلى الأسواق قد يكون أكثر تأثيراً من عشرات التصريحات السياسية.
فالفرق كبير بين التهديد بإغلاق المضيق وبين أن تبدأ حركة الناقلات فعلياً بالتراجع.
وكلما استمر هذا الوضع، ازدادت تكاليف الشحن والتأمين، وارتفعت مخاطر تأخر وصول الإمدادات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الأسعار.
إيران وأميركا… النفط ينتظر السياسة
العامل الثاني الذي يحرك السوق هو مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال إنه لم يُتخذ قرار بشأن استئناف المفاوضات، في وقت تراجعت فيه الآمال بالتوصل سريعاً إلى تسوية تعيد الاستقرار الكامل إلى الملاحة في هرمز.
وهذا يفسر الحساسية الشديدة للأسعار تجاه كل تصريح يصدر من واشنطن أو طهران.
فإذا ظهرت تسوية جدية تعيد الملاحة الطبيعية وتخفف المخاطر الأمنية، يمكن أن تخسر الأسعار جزءاً مهماً من علاوة الحرب بسرعة.
أما إذا انهارت المفاوضات وترافق ذلك مع مزيد من الهجمات على الناقلات أو المنشآت النفطية، فقد تتحرك الأسعار في الاتجاه المعاكس وبقوة.
الهجمات تعيد الخوف إلى السوق
خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت المخاوف بعد أحداث أمنية طالت ناقلات ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة في المنطقة.
وهذه التطورات دفعت المتعاملين إلى إعادة احتساب احتمال تحول المواجهة من أزمة سياسية وعسكرية إلى أزمة إمدادات فعلية.
فالأسواق تستطيع التعايش لفترة مع التصريحات والتهديدات.
لكن استهداف ناقلة أو مصفاة أو ميناء أو خط أنابيب يعني احتمال خروج براميل حقيقية من السوق.
وهنا تتغير المعادلة بالكامل.
مفارقة النفط… الإمدادات تخيف السوق والطلب يمنع الانفجار
رغم التوتر الجيوسياسي، توجد قوة أخرى تضغط على الأسعار في الاتجاه المعاكس، وهي وضع الاقتصاد العالمي والطلب على الطاقة.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى ضغوط كبيرة على الطلب خلال 2026 نتيجة ارتفاع الأسعار والاضطرابات الاقتصادية، بالتزامن مع اضطرابات كبيرة في جانب الإمدادات.
في المقابل، تقدم أوبك قراءة أكثر تفاؤلاً لمسار الطلب العالمي، وهو اختلاف يعكس حجم الضبابية التي تحيط بالسوق.
وبالتالي توجد قوتان متعاكستان في السوق:
الحرب واضطراب الإمدادات يدفعان النفط إلى الأعلى.
أما ضعف النشاط الاقتصادي والطلب، فيضغطان على الأسعار إلى الأسفل.
ولهذا نشاهد تقلبات حادة بدلاً من مسار صعود مستقيم.
المخزونات الأميركية تكبح الأسعار
هناك عامل آخر يمنع السوق حتى الآن من الانفلات الكامل.
فقد أظهرت البيانات الأميركية زيادة كبيرة في مخزونات النفط الخام بلغت 17.4 مليون برميل، وهي أكبر زيادة أسبوعية منذ كانون الثاني 2023.
وفي الظروف الطبيعية كان رقم بهذا الحجم كفيلاً بالضغط بقوة على أسعار النفط.
لكن تجدد القلق من إيران ومضيق هرمز أعاد المخاطر الجيوسياسية إلى واجهة التداول.
وهذا يكشف أن السياسة والأمن يملكان حالياً تأثيراً استثنائياً على اتجاه السوق.
هل يصل النفط إلى 100 دولار؟
هذا هو السؤال الذي يشغل الأسواق والحكومات والمستهلكين.
وصول برنت إلى 100 دولار ليس السيناريو الأساسي حتى الآن، لكنه لم يعد احتمالاً يمكن استبعاده إذا حدث تعطيل كبير ومستدام للإمدادات.
ويضع بعض المحللين نطاقاً واسعاً للأسعار بسبب صعوبة توقع مسار الأزمة، بينما أبقى باركليز تقديره لمتوسط خام برنت في 2026 عند نحو 96 دولاراً للبرميل.
لكن هناك فارقاً أساسياً بين أن يلامس النفط 100 دولار لفترة قصيرة وأن يستقر فوق هذا المستوى.
فاستمرار الأسعار فوق المئة دولار يحتاج على الأرجح إلى صدمة كبيرة، مثل تعطيل طويل للملاحة في مضيق هرمز، أو خسارة كبيرة في إنتاج إحدى الدول الخليجية، أو استهداف منشآت استراتيجية، أو توسع المواجهة بما يؤثر مباشرة في صادرات عدة دول.
أما التوصل إلى اتفاق سياسي يعيد حركة الناقلات الطبيعية، فقد يؤدي إلى انخفاض سريع في علاوة المخاطر.
لبنان… لماذا يجب أن نقلق؟
بالنسبة إلى لبنان، المسألة لا تتوقف عند متابعة سعر خام برنت على شاشات الأسواق.
لبنان مستورد للطاقة، وبالتالي فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط والمنتجات المكررة وتكاليف النقل والتأمين سينعكس في النهاية على فاتورة المحروقات والكهرباء والنقل والإنتاج.
لكن من المهم الإشارة إلى أن سعر صفيحة البنزين أو المازوت في لبنان لا يتحرك آلياً وبالنسبة نفسها مع سعر خام برنت، إذ تدخل في جدول الأسعار عوامل أخرى تشمل أسعار المنتجات المستوردة وكلفة الشحن والرسوم وعناصر التسعير المحلية.
والمشكلة الأكبر ليست عند محطة الوقود وحدها.
فالمازوت يدخل في تشغيل المولدات والنقل والصناعة والزراعة، وبالتالي فإن ارتفاع كلفته ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات.
أي أن استمرار أزمة النفط قد يتحول في لبنان إلى موجة تضخمية جديدة تطال المواطن بصورة مباشرة.
ثلاثة سيناريوهات أمام السوق
السيناريو الأول هو التسوية.
نجاح المفاوضات الأميركية الإيرانية وعودة الملاحة الطبيعية إلى مضيق هرمز يمكن أن يخفض علاوة المخاطر ويدفع أسعار النفط إلى التراجع.
السيناريو الثاني هو المراوحة.
لا اتفاق نهائياً ولا حرب شاملة، مع استمرار التوتر وحركة الملاحة بصورة غير طبيعية. وهذا السيناريو قد يبقي خام برنت عند مستويات مرتفعة ومتقلبة.
أما السيناريو الثالث فهو الانفجار.
انهيار المفاوضات، أو اتساع الهجمات على الناقلات والمنشآت، أو حدوث تعطيل طويل للملاحة عبر هرمز.
عندها يصبح اختبار مستوى 100 دولار للبرميل احتمالاً جدياً وليس مجرد عنوان إعلامي.
الخلاصة… سعر البرميل أصبح سياسياً
في الظروف الطبيعية، تسأل أسواق الطاقة عن إنتاج أوبك، ومخزونات الولايات المتحدة، ونمو الاقتصاد الصيني، والطلب العالمي.
اليوم يسبق هذه الأسئلة سؤال واحد:
«ماذا سيحدث في مضيق هرمز؟»
وجود برنت قرب 89 دولاراً لا يعكس فقط وضع العرض والطلب، بل يعكس أيضاً الثمن الذي تدفعه الأسواق مقابل الخوف من أن تصبح الإمدادات أقل أمناً في الأيام المقبلة.
ولهذا فإن مفتاح أسعار النفط لن يكون في قاعات التداول في لندن ونيويورك وحدها، بل أيضاً على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران وفي حركة الناقلات داخل مضيق هرمز.
إذا عادت السفن إلى الحركة الطبيعية، يتنفس السوق.
أما إذا تعرض شريان هرمز لتعطيل واسع ومستدام، فقد يصبح حاجز 100 دولار أقرب بكثير.
ICON NEWS
«الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات»
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :