الجنوب تحت النار والاحـ.ـتلال يفاوض بالغـ..ـارات: هدوء هشّ فوق ميدان مفتوح على التصـ..ـعيد

الجنوب تحت النار والاحـ.ـتلال يفاوض بالغـ..ـارات: هدوء هشّ فوق ميدان مفتوح على التصـ..ـعيد

 

 

 

 

 

تقرير خاص «ICON NEWS»

حتى صباح الاثنين 17 آب 2026

لا يعيش جنوب لبنان وقفاً فعلياً لإطلاق النار، بل مرحلة معلّقة بين تهدئة شديدة الهشاشة وحرب لم تُقفل أبوابها. فالعدو الإسرائيلي أبقى قواته داخل أراضٍ لبنانية محتلة، وحوّل ما يسمّيه «المنطقة الأمنية» إلى مساحة لتنفيذ العمليات العسكرية والتوغلات والتفجيرات، بالتوازي مع غارات جوية تمتد من القرى الحدودية إلى مناطق شمال الليطاني.

وعليه، فإن المشهد الميداني لم يعد يُقاس فقط بعدد الغارات، بل بثلاثة عناصر مترابطة: استمرار الاحتلال، توسيع حرية الاستهداف، واستخدام الضغط العسكري لفرض شروط سياسية لم يستطع العدو انتزاعها على طاولة المفاوضات.

مجزرة أنصار ودير الزهراني

شهد يوم السبت 15 آب واحداً من أعنف التصعيدات منذ بدء التهدئة. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد ما لا يقل عن 11 شخصاً في غارات إسرائيلية استهدفت بلدتي أنصار ودير الزهراني.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن الغارة على منزل في أنصار أدت إلى استشهاد سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، فيما استشهد أربعة آخرون في دير الزهراني. كما أصيب 19 شخصاً في مجمل الاعتداءات.

ولم تقتصر الغارات على هاتين البلدتين، بل طالت مناطق أخرى في الجنوب، بينها تلة علي الطاهر ذات الموقع الاستراتيجي شمال نهر الليطاني. ووُصفت إحدى الغارات على وادٍ قرب أنصار بأنها الأعمق داخل الأراضي اللبنانية منذ نحو شهرين.

وادعى جيش الاحتلال أنه استهدف مقراً تابعاً لقوة الرضوان وقتل القيادي علي سمير الحاج حسن، زاعماً أن العملية جاءت رداً على إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين. إلا أن سقوط الأطفال والنساء كشف مرة جديدة أن ما يصفه العدو بـ«البنية العسكرية» قد يكون منزلاً تسكنه عائلة كاملة.

رسالة بالنار إلى المفاوضات

لم تكن غارات أنصار ودير الزهراني حادثاً ميدانياً منفصلاً عن المسار السياسي. الرئيس جوزاف عون اعتبرها «رسالة واضحة» موجّهة إلى المفاوضات وإلى الجهود الأميركية لتنفيذ الاتفاق، فيما رأى رئيس الحكومة نواف سلام أن الأطفال والنساء الذين استشهدوا ليسوا أهدافاً عسكرية.

لكن الأخطر جاء من مكتب رئيس حكومة العدو، الذي اعتبر أن الغارات ستجعل المفاوضات أكثر «جدية وواقعية». وهذا التصريح يكشف بوضوح أن إسرائيل لا تنظر إلى العمليات العسكرية باعتبارها رداً أمنياً فقط، بل تستخدم قتل المدنيين وتوسيع دائرة الاستهداف وسيلة ضغط تفاوضية.

بمعنى آخر، تريد تل أبيب أن تدخل كل جولة سياسية وهي تمسك بالميدان، وأن تضع لبنان أمام معادلة قسرية: القبول بالشروط الإسرائيلية أو استمرار الضربات والاحتلال والتدمير.

واقع الاحتلال على الأرض

لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة داخل شريط من الأراضي اللبنانية التي سيطرت عليها خلال الحرب الأخيرة. وتصف إسرائيل هذه الأراضي بأنها «منطقة أمنية»، في محاولة لمنح الاحتلال تسمية وظيفية مؤقتة، بينما تتصرف فيها باعتبارها مساحة خاضعة لسيطرتها العسكرية.

وتتحرك الدبابات والآليات الإسرائيلية داخل بعض القرى والمناطق المحتلة، بالتزامن مع عمليات هدم وتجريف وإحراق للأراضي ومنع السكان من العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم.

ويُظهر هذا السلوك أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز ملاحقة مواقع عسكرية مفترضة، وصولاً إلى إنشاء واقع جغرافي وأمني جديد يفرغ المناطق الأمامية من سكانها، ويحوّل العودة والإعمار إلى ورقة تفاوض.

كما أن بقاء القوات الإسرائيلية لم يعد، وفق التصريحات الإسرائيلية، مرتبطاً بموعد زمني واضح. فقد أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الانسحاب لن يحصل قبل نزع سلاح حزب الله. في المقابل، قال مسؤول في الخارجية الأميركية إن وجوداً عسكرياً إسرائيلياً دائماً في لبنان لا ينسجم مع الالتزامات الواردة في الاتفاق. وهذا التباين يكشف أن إسرائيل تحاول توسيع تفسير الاتفاق وتحويل الانسحاب من التزام واجب إلى مكافأة مشروطة.

الميدان البيئي: إحراق الأرض لمنع العودة

إلى جانب القصف والتجريف، تتصاعد في الجنوب حرب من نوع آخر تستهدف الأرض نفسها. فقد تحدث مسؤولون في الدفاع المدني وسكان وناشطون بيئيون عن حرائق اندلعت بفعل القصف والقنابل المضيئة وذخائر ألقتها مسيّرات إسرائيلية.

ووفق مسؤول في الدفاع المدني بمنطقة النبطية، تضررت بالنيران مساحات واسعة من الأحراج والأراضي القريبة من خطوط المواجهة، وقدّر أن الحرائق مست نحو 30 إلى 40 في المئة من بعض المناطق الأمامية.

وطالت النيران أحراجاً وبساتين زيتون وأراضي زراعية في الخيام وكفرشوبا ويارون ومناطق أخرى. كما تحدثت إفادات ميدانية عن اضطرار فرق الإطفاء إلى الانسحاب أو انتظار التنسيق الأمني قبل الوصول إلى مواقع الحرائق، ما سمح بتمدد النيران.

وفي يارون، أفاد رئيس البلدية بأن معظم المنازل كانت قد تعرضت للهدم قبل أن تطال الحرائق أشجار الزيتون والفاكهة المعمرة. وهذا يجعل إحراق الأرض جزءاً من تغيير طبيعة المنطقة وضرب مقومات الصمود والعودة، لا مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية. المقاومة: رفض شروط الاستسلام

رفض حزب الله الاتفاق بصيغته الحالية، معتبراً أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة يحوّل الاحتلال إلى أداة ابتزاز. وبعد غارات 15 آب، أعلن أن الاعتداءات «ستُقابل بما تستحق»، من دون الكشف عن طبيعة الرد أو توقيته.

ميدانياً، تسعى المقاومة إلى الاحتفاظ بحق الردع من دون الانجرار، في هذه المرحلة، إلى حرب شاملة تمنح العدو ذريعة لتوسيع عدوانه. إلا أن استمرار الاغتيالات والغارات وسقوط المدنيين يضيّق مساحة ضبط النفس ويزيد احتمال وقوع رد يعيد فتح جبهة واسعة.

وتكمن المعضلة في أن إسرائيل تحاول تثبيت قاعدة جديدة تسمح لها بالقصف والاغتيال متى تشاء، بينما تعتبر أي تحرك للمقاومة خرقاً يستوجب التصعيد. قبول هذه القاعدة يعني عملياً منح العدو حق العمل العسكري الدائم داخل لبنان من دون مقابل.

الجيش اللبناني بين الانتشار والقيود

يؤدي الجيش اللبناني دوراً شديد الحساسية في الجنوب، بين الانتشار في المناطق المتاحة، حماية السكان، التعامل مع مخلفات الحرب، ومواكبة عمليات الإغاثة والإطفاء. لكن قدرته على تنفيذ مهمته كاملة تبقى مقيدة باستمرار الاحتلال وبالاستهدافات الإسرائيلية وغياب ضمانات فعلية لحرية حركته.

ويجري البحث في آلية للتحقق من عمليات الجيش المتعلقة بإخلاء المواقع وانتشار الدولة. لكن بيروت نفت التوصل إلى اتفاق بشأن قائمة دول قد تشارك في هذه الآلية، بعدما تردد أن بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا من بين الدول المطروحة.

وأكد مسؤول لبناني أن المداولات لا تزال قائمة مع واشنطن، فيما اكتفت الخارجية الأميركية بالقول إن اجتماعات روما بحثت «تحقق طرف ثالث» من عمليات الجيش اللبناني، من دون إعلان اتفاق نهائي. [تفاصيل الجدل حول آلية التحقق.

وهنا يبرز سؤال سيادي أساسي: من يتحقق من الانسحاب الإسرائيلي ووقف الغارات وعودة السكان، قبل المطالبة بإخضاع الجيش اللبناني والمقاومة لآلية رقابة دولية؟

المفاوضات تراوح مكانها

تربط الصيغة التي ترعاها واشنطن الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بما تسميه «نزع السلاح الموثق» لجميع القوى المسلحة غير التابعة للدولة. لكن حزب الله ليس طرفاً في الاتفاق ويرفض تسليم سلاحه في ظل الاحتلال والاعتداءات.

ويكشف هذا الخلل البنيوي أن السلطة اللبنانية دخلت مساراً تفاوضياً لا تملك وحدها القدرة على تنفيذ التزامات أساسية فيه، بينما لا يتضمن المسار حتى الآن ضمانة حاسمة تلزم إسرائيل بموعد نهائي للانسحاب.

أما العدو، فيستثمر هذه الفجوة للإبقاء على وجوده العسكري، ويطالب أولاً بنزع عناصر القوة اللبنانية، ثم يعد ببحث الانسحاب لاحقاً. وهكذا تتحول المفاوضات من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى مظلة لإدارته وإطالة أمده.

ما الذي يريده العدو؟

من خلال قراءة الوقائع الميدانية والسياسية، يمكن تحديد الأهداف الإسرائيلية في خمس نقاط مترابطة.

أولاً، تثبيت شريط أمني داخل لبنان، سواء بقي الاحتلال مباشراً أو أُحيلت مراقبته لاحقاً إلى قوة أجنبية.

ثانياً، انتزاع سلاح المقاومة قبل الانسحاب، بما يلغي عنصر الردع ويترك الجنوب مكشوفاً.

ثالثاً، فرض حرية دائمة للطيران والاستهداف والاغتيال تحت عنوان منع إعادة بناء القدرات.

رابعاً، منع أو تأخير عودة الأهالي إلى القرى الحدودية، عبر الهدم والتجريف وإحراق الأراضي وتدمير مصادر الرزق.

خامساً، استخدام التفوق العسكري لتحسين الشروط السياسية في كل جولة تفاوض، بحيث يصبح الدم اللبناني جزءاً من آلية الضغط.

إلى أين يتجه الميدان؟

السيناريو الأول هو استمرار الوضع الحالي: غارات واغتيالات محدودة، عمليات داخل المناطق المحتلة، وردود محسوبة لا تنقل الجبهة إلى حرب شاملة. وهذا هو الاحتمال الأقرب في المدى القصير، لكنه يحمل خطر الانفجار عند كل مجزرة أو استهداف نوعي.

السيناريو الثاني هو تصعيد تدريجي يبدأ برد من المقاومة، تتبعه جولات قصف متبادل تتوسع جغرافياً من الشريط الحدودي إلى النبطية وصور وربما مناطق أبعد.

أما السيناريو الثالث فهو تسوية مرحلية تتضمن انسحاباً إسرائيلياً جزئياً وانتشاراً أوسع للجيش اللبناني وآلية مراقبة دولية. لكن هذا السيناريو يبقى صعباً ما لم يحصل لبنان على جدول زمني واضح للانسحاب ووقف الاستهدافات وضمان حق الأهالي في العودة.

الخلاصة

الميدان الجنوبي اليوم ليس هادئاً، وإنما مضبوط مؤقتاً عند حافة الانفجار. الاحتلال قائم، والطائرات والمسيّرات لا تغادر الأجواء، والغارات انتقلت مجدداً إلى عمق الجنوب، فيما يُستخدم قتل المدنيين للضغط على لبنان سياسياً.

المشكلة الأساسية أن العدو يطالب لبنان بتنفيذ التزاماته مقدماً، بينما يحتفظ لنفسه بالأرض والسلاح وحرية القصف. لذلك فإن أي تسوية لا تبدأ بوقف العدوان، والانسحاب الكامل، وعودة الأهالي، وإقرار آلية تراقب الخروقات الإسرائيلية بقدر ما تراقب الجانب اللبناني، ستكون إدارة مؤقتة للحرب وليست حلاً لها.

جنوب لبنان لا يحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى ضمانات قابلة للتنفيذ تحمي الأرض والسكان والسيادة. وما لم يتغير ميزان الالتزامات، سيبقى الاتفاق حبراً على ورق، وسيبقى الميدان هو الذي يكتب الوقائع بالنار.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي