ICON NEWS | قراءة سياسية | 17 آب 2026
لا تبدو مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الساعات الأخيرة منفصلة عن بعضها. فمن شبه الجزيرة الكورية إلى إيران، ومن غزة إلى لبنان، تظهر ملامح سياسة واحدة تقوم على رفع مستوى الضغط إلى الحد الأقصى، ثم البحث عن صفقة يستطيع ترامب تقديمها باعتبارها انتصاراً شخصياً وسياسياً.
الجديد هذه المرة أن ترامب لا يضغط على خصوم واشنطن وحدهم، بل بدأ يستخدم الضغط نفسه مع حلفائها.
فاجأ ترامب سيول عندما أمر البنتاغون بـ«خفض كبير» للمشاركة الأميركية في المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، معتبراً أنها مكلفة وترسل إشارة «عدائية» إلى كوريا الشمالية.
وفي الوقت نفسه أعاد التأكيد على علاقته الجيدة جداً بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في خطوة قرأها مراقبون كتمهيد محتمل لإعادة فتح قناة مباشرة مع بيونغ يانغ.
لكن خلف القرار رسالة أخرى.
ترامب ربط استياءه من سيول برفضها الانضمام إلى التحركات الأميركية ضد إيران. وهنا تصبح المسألة أكبر من كوريا الشمالية: الحليف الذي لا يشارك واشنطن أعباء خياراتها قد يجد نفسه تحت ضغط ترامب أيضاً.
هذه ليست المرة الأولى التي يتعامل فيها ترامب مع التحالفات بمنطق الكلفة والعائد، لكنها تكشف مجدداً أنه لا يعتبر التحالفات التقليدية شيكاً مفتوحاً.
أما الملف الأكثر حساسية اليوم فهو إيران.
المهلة المحددة في مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية وصلت إلى موعدها في 17 آب، فيما بقيت الخلافات الجوهرية قائمة حول التسوية الأوسع والملف النووي ومضيق هرمز. وكانت مصادر إيرانية رفيعة قد قالت قبل أيام إن طهران وواشنطن لم تكونا تبحثان تمديد وقف النار بالشكل الذي روّج له البعض، وطالبت الولايات المتحدة بالعودة إلى الاتفاق المرحلي.
وهنا تظهر عقدة ترامب.
فالرئيس الأميركي يريد أن يقول إنه استخدم القوة والضغط الاقتصادي والعسكري وأجبر إيران في النهاية على التفاوض، لكن طهران بدورها لا تريد توقيع اتفاق يبدو وكأنه استسلام لشروط أميركية.
لذلك فإن انتهاء المهلة لا يعني تلقائياً عودة الحرب الشاملة، لكنه يرفع مستوى المخاطر؛ لأن الغطاء المؤقت الذي سمح بإدارة المواجهة يصبح أكثر هشاشة.
قراءة سلوك ترامب خلال الأشهر الماضية تظهر تناقضاً ظاهرياً فقط.
هو يرفع سقف التهديد، يحرك القوات، يستخدم العقوبات، يطلق مواعيد نهائية، ثم يترك باب التفاوض مفتوحاً حتى اللحظة الأخيرة.
الهدف ليس بالضرورة الحرب نفسها.
الهدف أن يصل الطرف المقابل إلى الطاولة وهو تحت أكبر قدر ممكن من الضغط.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبيرة: ماذا يحدث عندما يرفض الخصم التراجع؟
عندها يصبح ترامب أسير السقف الذي رفعه بنفسه، ويضطر إما إلى التصعيد حفاظاً على صدقيته، أو التراجع وتقديم التسوية باعتبارها إنجازاً.
وهذه العقدة تظهر اليوم بوضوح في إيران.
وفي غزة، حدث تطور لا يقل أهمية.
التقى جاريد كوشنر، مبعوث ترامب وصهره، القيادي في حماس خليل الحية في القاهرة ضمن محاولة لإحياء خريطة الطريق الأميركية المتعثرة. وتشمل الخطة قضايا شديدة الحساسية، بينها سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية وترتيبات الحكم في غزة. وبعد القاهرة، يتجه كوشنر إلى لقاء بنيامين نتنياهو.
وهنا تكمن المفارقة.
المشكلة أمام ترامب لم تعد حماس وحدها.
فنتنياهو نفسه أعلن اعتراضه على خريطة الطريق بصيغتها المطروحة، فيما تطالب دول عربية واشنطن باستخدام نفوذها لدفع إسرائيل نحو الالتزام بالمسار.
وبالتالي يجد ترامب نفسه أمام اختبار مختلف:
هل يستطيع ممارسة الضغط على نتنياهو بالطريقة نفسها التي يمارس بها الضغط على خصوم الولايات المتحدة؟
إذا كان الجواب لا، فإن خطته ستصطدم بالسقف الإسرائيلي.
أما إذا قرر ممارسة ضغط حقيقي، فقد نشهد توتراً سياسياً أكبر بين البيت الأبيض وحكومة نتنياهو.
هنا يصبح المشهد بالنسبة إلينا أكثر أهمية.
لبنان ليس ملفاً منفصلاً عن التسوية الإقليمية التي يحاول ترامب بناءها.
المسار الأميركي الإيراني ارتبط منذ بدايته بوقف القتال في لبنان، وسبق أن أكدت تقارير عن المفاوضات أن وقف المواجهة اللبنانية كان من شروط إطلاق فترة التفاوض بين واشنطن وطهران.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الميدان اللبناني يشهد اعتداءات إسرائيلية وتصعيداً، ما يكشف الفجوة بين المسار الدبلوماسي الأميركي والواقع الذي تفرضه إسرائيل على الأرض.
وهذه النقطة أساسية.
إذا نجح ترامب في تثبيت تفاهم مع إيران من دون إلزام إسرائيل فعلياً بوقف اعتداءاتها وانسحابها وتنفيذ التزاماتها، فإن لبنان سيجد نفسه أمام تسوية إقليمية لا تعالج أصل مشكلته.
أما إذا قررت واشنطن إدخال الضمانات اللبنانية فعلياً ضمن الصفقة الكبرى، فإن الجنوب قد يتحول من ساحة مواجهة إلى إحدى أهم أوراق التفاوض الإقليمي.
ليس بالضرورة أن يصل الأمر إلى قطيعة.
العلاقة الأميركية الإسرائيلية أعمق من خلاف بين شخصين، لكن مصالح ترامب ونتنياهو ليست متطابقة في كل الملفات.
ترامب يريد اتفاقات يستطيع تسجيلها في رصيده السياسي.
نتنياهو يحتاج في المقابل إلى الاحتفاظ بحرية عسكرية واسعة، ويواجه اعتبارات داخلية إسرائيلية وانتخابية.
ومن هنا يمكن أن يصبح عامل الوقت نقطة خلاف أساسية بين الرجلين.
ترامب يريد نتيجة.
نتنياهو يريد شروطاً تمنحه أكبر مساحة ممكنة للحركة.
والمنطقة هي التي تدفع ثمن الوقت الضائع بين الاثنين.
يمكن اختصار سياسة ترامب الحالية بثلاث مراحل:
ارفع التهديد، ارفع الكلفة، ثم فاوض.
مع كيم جونغ أون، يخفض المناورات بعدما رفع التوتر.
مع إيران، وصلت المواجهة العسكرية والاقتصادية إلى مستويات شديدة الخطورة قبل العودة إلى التفاوض.
وفي غزة، يدخل مبعوثه مباشرة إلى غرفة التفاوض مع حماس ثم ينتقل إلى نتنياهو.
أما لبنان، فيبقى موجوداً على الطاولة لأن استقرار حدوده مرتبط ببقية ملفات المنطقة.
وهذه ليست دبلوماسية تقليدية بقدر ما هي دبلوماسية الصفقات تحت الضغط.
لكن نجاحها لا يقاس بعدد الاتفاقات التي يعلنها البيت الأبيض.
بل بما إذا كانت الاتفاقات تعيش بعد توقيعها.
في الظاهر، الملفات متباعدة: كوريا الشمالية، إيران، غزة، لبنان.
لكن خيطاً واحداً يجمعها.
ترامب يريد إعادة تثبيت نفسه باعتباره الرجل القادر على الذهاب إلى حافة الحرب ثم العودة منها باتفاق.
وهذا يفسر لماذا يستطيع في يوم واحد أن يتحدث بود عن كيم جونغ أون، ويضغط على إيران، ويرسل كوشنر للقاء حماس ونتنياهو، ويترك الباب مفتوحاً أمام إعادة ترتيب المشهد اللبناني.
لكن هناك فارقاً بين صناعة اللحظة الدبلوماسية وصناعة السلام.
الأولى يمكن تحقيقها بصورة وقمة وإعلان.
أما الثانية فتحتاج إلى التزامات وضمانات وتنفيذ على الأرض.
وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي لترامب في الأسابيع المقبلة:
هل تتحول سياسة حافة الهاوية إلى صفقة إقليمية قابلة للحياة… أم أن تعدد الجبهات سيجعل الرئيس الأميركي عالقاً بين الوعود التي أطلقها والسقوف التي رفعها بنفسه؟
ICON NEWS – الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :