الوزير بعد الطائف: هل أصبح مستقلًا عن رئيس الحكومة؟

الوزير بعد الطائف: هل أصبح مستقلًا عن رئيس الحكومة؟

 

 

 

 

د. رشا ابو حيدر

أعاد الجدل الذي رافق عدم إتاحة المجال لوزير الدفاع ميشال منسّى لإلقاء كلمته أمام مجلس النواب طرح سؤال يتجاوز الواقعة نفسها: ما هو موقع الوزير في النظام الدستوري اللبناني بعد اتفاق الطائف؟ وهل أصبح يتمتع باستقلال  سياسي عن رئيس الحكومة، أم أن الأخير يملك سلطة مباشرة عليه؟أخبار لبنان

لفهم المسألة، لا بد من العودة قليلًا إلى ما قبل الطائف.

قبل تعديلات عام 1990، كانت السلطة التنفيذية تتمحور بدرجة كبيرة حول رئيس الجمهورية. فقد كانت المادة 17 تناط بموجبها السلطة الإجرائية برئيس الجمهورية، كما كان رئيس الجمهورية يتولى تعيين الوزراء وتسميتهم وإقالتهم. وكان الوزير، رغم تمتعه باختصاصات وزارية، يعمل ضمن بنية تنفيذية يغلب عليها الطابع الرئاسي.

جاء الطائف ليعيد توزيع السلطة التنفيذية. فأصبحت السلطة الإجرائية مناطة بمجلس الوزراء، الذي يتولى وضع السياسة العامة للدولة، وانتقل النظام من منطق السلطة التنفيذية المتمحورة حول شخص إلى سلطة تنفيذية جماعية.


وهنا تغير موقع الوزير.

فوثيقة الطائف أكدت تعزيز صلاحيات الوزير، ولكنها ربطت ذلك بالسياسة العامة للحكومة وبمبدأ المسؤولية الجماعية. لذلك، لا يمكن القول إن الوزير أصبح مستقلًا سياسيًا عن الحكومة؛ فهو لا يملك وضع  سياسة عامة مستقلة أو اتخاذ موقف يلزم الدولة خارج إطار مجلس الوزراء.

لكن، في المقابل، لا يعني ذلك أن الوزير أصبح تابعًا شخصيًا لرئيس الحكومة.

فرئيس الحكومة، بموجب المادة 64، يمثل الحكومة ويتكلم باسمها، وينسق أعمال الوزراء ويتابع تنفيذ السياسة العامة ويعطي التوجيهات العامة. إلا أن هذه الصلاحيات لا تحوله إلى صاحب سلطة رئاسية مطلقة على الوزراء، فالسلطة الإجرائية بعد الطائف مناطة بمجلس الوزراء كهيئة جماعية.

ومن هنا يجب التمييز بين أمرين: التحدث باسم الحكومة، والتحدث بصفة الوزير المختص.

فإذا كان الوزير يعلن موقفًا رسميًا للحكومة، فإن وحدة الموقف الحكومي وموقع رئيس الحكومة يصبحان أمرين أساسيين. أما إذا كان يعرض أمام مجلس النواب معطيات أو ملاحظات تتصل مباشرة باختصاص وزارته، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يتحدث باسم الحكومة أو ينافس رئيسها على تمثيلها.

وهذه التفرقة تكتسب أهمية خاصة في واقعة وزير الدفاع. فإتاحة المجال له لعرض موقف وزارته لا تعني منحه حق مخالفة قرار الحكومة، ولا تجعل رأيه موقفًا رسميًا للدولة. وفي المقابل، فإن حق رئيس الحكومة في التحدث باسم الحكومة لا يعني، بمجرده، امتلاكه حقًا مطلقًا في منع الوزير المختص من الكلام أمام البرلمان.


فالبرلمان لا يستمع إلى الحكومة لمعرفة موقفها السياسي فقط، بل يمارس أيضًا وظيفته التشريعية والرقابية، وقد يحتاج إلى الاستماع إلى الوزير المختص لفهم الجوانب المرتبطة بوزارته.

وهنا يصبح السؤال الدستوري الحقيقي:

هل تسمح صلاحية رئيس الحكومة في تمثيل الحكومة والتحدث باسمها بأن تتحول إلى سلطة تمنع الوزير من ممارسة اختصاصه أو التعبير عنه أمام السلطة التشريعية؟

لا يبدو أن الإجابة يمكن أن تُستخلص من المادة 64 وحدها، بل ينبغي قراءتها في ضوء مجمل النظام الذي أرساه الطائف: مجلس الوزراء يضع السياسة العامة، رئيس الحكومة يمثل الحكومة وينسق أعمالها، والوزير يمارس اختصاص وزارته ويتحمل مسؤوليتها ضمن الإطار الحكومي العام.

وبالتالي، فإن الوزير بعد الطائف ليس مستقلًا سياسيًا عن الحكومة، لكنه ليس تابعًا شخصيًا لرئيسها.

إنه صاحب اختصاص ومسؤولية داخل سلطة تنفيذية جماعية.

وهنا تكمن أهمية الطائف: فهو لم يستبدل سلطة فردية بسلطة فردية أخرى، بل أعاد توزيع السلطة داخل السلطة التنفيذية. ومن ثم، فإن تفسير صلاحيات رئيس الحكومة يجب ألا يؤدي عمليًا إلى إعادة بناء سلطة تنفيذية تتمحور حول شخص واحد.

فالمسألة ليست من يملك الكلام، بل من يملك الصلاحية، وما حدودها، وما السند الدستوري الذي يبرر ممارستها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي