قانون الإعلام الجديد: إصلاح تاريخي بثغرة سجن خطيرة

قانون الإعلام الجديد: إصلاح تاريخي بثغرة سجن خطيرة

 

 

 

 

خاص ايكون نيوز

بعد مخاض تشريعي استمر نحو 16 عاماً، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام الجديد كاملاً، من دون إدخال تعديلات خلال الهيئة العامة، وفق المعلومات المنشورة مساء اليوم.

لكن الإقرار النيابي لا يعني أن النص أصبح نافذاً فوراً؛ إذ لا بد من إصداره ونشره في الجريدة الرسمية. كما أن النسخة الموحّدة النهائية لم تكن قد نُشرت رسمياً حتى إعداد هذه القراءة، لذلك يستند التحليل إلى الصيغة التي أقرتها اللجان والتفاصيل التي نُشرت عقب الجلسة.

القانون يحمل نقلة حقيقية في حماية الإعلام، لكنه يترك في قلبه مادة يمكن أن تعيد إدخال الصحافي إلى السجن من بوابة «الأخبار الكاذبة».

الحسنات الأساسية

أولاً: إبعاد السجن عن غالبية القضايا الإعلامية

الإنجاز الأهم هو انتقال القانون، في معظم مخالفات النشر، من العقوبات الجزائية إلى المسؤولية المدنية. وهذا يعني أن النزاع الناتج عن مادة صحافية يفترض أن يُعالج بالتعويض أو التصحيح والرد، وليس بتحويل الصحافي إلى متهم في جريمة جزائية.

كما يحظر القانون التوقيف الاحتياطي والعقوبات السالبة للحرية في غالبية النزاعات الإعلامية، ما يحدّ من استخدام الاستدعاء والتوقيف وسيلةً لترهيب الصحافيين أو دفعهم إلى حذف موادهم قبل صدور أي حكم.

ثانياً: إنهاء المحاكمات العسكرية للصحافيين

يلغي القانون اختصاص المحاكم العسكرية والجزائية ومحكمة المطبوعات في القضايا الإعلامية، ويستحدث محكمة مدنية متخصصة للنظر في نزاعات النشر.

وهذا تطور أساسي، لأن الصحافي لن يُلاحق أمام القضاء العسكري بسبب رأي أو تحقيق أو خبر، بل أمام قضاء مدني يفترض أن يكون أكثر اختصاصاً في الموازنة بين حرية التعبير وحقوق الأفراد. 

ثالثاً: الاعتراف بالإعلام الإلكتروني

للمرة الأولى، يدخل الإعلام الإلكتروني بصورة واضحة ضمن التشريع اللبناني، مع التمييز بين المواقع المهنية وغير المهنية.

والنقطة الإيجابية أن إنشاء موقع إلكتروني أو صفحة إعلامية لا يحتاج، من حيث المبدأ، إلى ترخيص أو موافقة مسبقة. أما الموقع الإخباري المهني، فيخضع لنظام تعريف وتسجيل، يتضمن الكشف عن المالك والمدير المسؤول ووسائل الاتصال.

وبذلك يحصل العاملون في المواقع الإلكترونية على مظلة قانونية ومهنية شبيهة بتلك الممنوحة للإعلام التقليدي، بدل بقائهم في منطقة قانونية رمادية. 

رابعاً: حماية المصادر الصحافية

يعزز القانون حماية سرية المصادر، وهي ركيزة أساسية للصحافة الاستقصائية. فلا يمكن كشف ملفات الفساد والهدر وإساءة استعمال السلطة إذا كان المصدر يخشى انكشاف اسمه، أو كان الصحافي معرضاً للضغط من أجل الإفصاح عنه.

لكن فعالية هذه الحماية ستتوقف على الصيغة التنفيذية والاستثناءات التي قد تُفسّرها المحاكم لاحقاً.

خامساً: شفافية ملكية وسائل الإعلام وتمويلها

يفرض القانون إنشاء سجلات تتضمن معلومات عن مالكي المؤسسات الإعلامية وإداراتها ورؤوس أموالها والمساهمين فيها، إلى جانب مصادر التمويل، بما فيها الإعلانات والاشتراكات والهبات والقروض.

كما يتيح للجمهور الاطلاع على جانب من هذه المعلومات. وهذه خطوة ضرورية في بلد تختلط فيه الملكية الإعلامية بالنفوذ السياسي والمصرفي والمالي، بحيث يصبح من حق المتلقي معرفة الجهة التي تقف خلف الوسيلة التي تصنع رأيه. 

سادساً: الفصل بين الإعلان والمادة التحريرية

يلزم القانون المؤسسات بالفصل الواضح بين الإعلان والمحتوى الصحافي، بما يحدّ من ظاهرة تقديم المواد المدفوعة على أنها أخبار مستقلة.

كما يفرض عند نشر استطلاعات الرأي الكشف عن الجهة التي أجرت الاستطلاع أو موّلته، وحجم العينة وطريقة اختيارها والمنهجية وهامش الخطأ. وهذا يمنع استخدام استطلاعات مجهولة أو ممولة سياسياً لتوجيه الرأي العام من دون إعلان خلفيتها.

سابعاً: حق الرد والتصحيح والإزالة

يمنح القانون المتضرر حق طلب تصحيح المعلومات الواقعية غير الصحيحة أو الرد عليها أو إزالتها، ويلزم المؤسسة بمنح الرد حضوراً يوازي المادة الأصلية، ضمن شروط ومهل محددة.

وعند رفض المؤسسة، يمكن اللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة. وهذه آلية أكثر توازناً من التوقيف، لأنها تحمي المتضرر من الخبر الخاطئ من دون إغلاق المؤسسة أو سجن الصحافي.

ثامناً: إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام

ينشئ القانون «الهيئة الوطنية للإعلام» مع شخصية معنوية واستقلال مالي وإداري، ويمنحها صلاحيات تنظيم السجل الإعلامي، ومنح التراخيص في القطاعات التي تحتاج إلى ترددات، ومراقبة التعددية، وإصدار مدونات السلوك والتقارير، ومساعدة المتضررين في ممارسة حق الرد.

كما تبدأ إجراءاتها بالاستيضاح والتنبيه والإنذار قبل إحالة المخالفات الجدية إلى القضاء، ما يخفف اللجوء المباشر إلى العقاب.

الثغرة الأخطر: المادة 104

على الرغم من أن فلسفة القانون تقوم على إلغاء الحبس، تعيد الفقرة «ب» من المادة 104 العقوبة السجنية في قضايا النشر.

وتنص، وفق الصيغة المنشورة، على معاقبة من «يتعمد اختلاق معلومات مضللة وينشر أخباراً كاذبة وخبيثة» بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة تراوح بين خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور و15 ضعفاً، أو بإحدى العقوبتين.

المشكلة ليست في محاسبة من يفبرك خبراً عمداً لإيذاء الناس، بل في غموض الكلمات المستخدمة. فالقانون لا يقدم تعريفاً دقيقاً لـ«المعلومات المضللة» و«الأخبار الكاذبة» و«الخبيثة».

وهذا الغموض يطرح أسئلة خطيرة: هل يشمل الخطأ الصحافي المرتكب بحسن نية؟ ماذا عن خبر مبني على مصدر تبيّن لاحقاً أن معلوماته غير دقيقة؟ هل يمكن ملاحقة تحقيق يستند إلى وثائق مسرّبة تنفي السلطة صحتها؟ ومن يقرر ما هي الحقيقة في قضية سياسية أو مالية متنازع عليها؟

وقد تتحول المادة إلى سيف فوق الصحافة الاستقصائية، لأن الصحافي قد يفضّل الامتناع عن نشر ملف حساس خوفاً من أن تعتبره النيابة العامة لاحقاً «معلومات مضللة».

ثغرة عدم التمييز بين الخبر والرأي

لا تميّز المادة 104 بصورة كافية بين الادعاء الواقعي والرأي السياسي والتحليل والسخرية والنقد والخطأ المهني غير المقصود.

فالخبر يمكن التحقق من صحته، أما الرأي والتحليل فلا يمكن تصنيفهما ببساطة على أنهما «صحيحان» أو «كاذبان». وترك هذا التمييز لاجتهاد الجهات القضائية قد يؤدي إلى تحويل الخلاف السياسي مع صحافي إلى ملف جزائي.

شرط الجنسية للمدير المسؤول

تشترط المادة 63 أن يكون المدير المسؤول عن الموقع الإعلامي المهني إعلامياً لبنانياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية.

ويمكن لغير اللبناني، ومن ضمنه اللاجئ الفلسطيني، امتلاك الموقع والمشاركة في إدارته، لكنه يُلزم بتعيين مدير مسؤول لبناني. وقد يؤدي ذلك إلى تعيين مدير صوري لا يدير المؤسسة فعلياً، أو إلى نزاع بين المالك والمدير حول السياسة التحريرية.

هيئة مستقلة على الورق… ولكن ماذا عن التعيينات؟

إعلان استقلال الهيئة الوطنية خطوة إيجابية، لكن النص وحده لا يضمن الاستقلال. فالاختبار الحقيقي سيكون في طريقة اختيار أعضائها، وتوزيع صلاحيات التعيين، ومصادر تمويلها، وإمكان تحول المقاعد إلى حصص بين القوى السياسية والطائفية.

فإذا تشكّلت الهيئة وفق منطق المحاصصة، ستصبح جهة جديدة لمراقبة الإعلام بدل أن تكون ضمانة لحريته.

مخاوف المؤسسات الصغيرة

انتقد رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ المشروع، معتبراً أن تنظيم الإعلام الإلكتروني قد يخضعه لأصحاب الأموال ويصعّب دخول المؤسسات الصغيرة ومتوسطة الإمكانات إلى القطاع. 

والحكم النهائي على هذه النقطة يتطلب الاطلاع على النص الرسمي، ولا سيما الرسوم والموجبات الإدارية وآليات التسجيل التي ستُفرض على المواقع المهنية.

ماذا يعني القانون للمواقع الإلكترونية؟

بالنسبة إلى المواقع الإخبارية، يحمل القانون مكاسب واضحة: الاعتراف القانوني، حماية الصحافيين والمصادر، إلغاء الترخيص المسبق، وقف المحاكمات العسكرية، وتنظيم حق الرد.

لكنه يفرض في المقابل موجبات جديدة تتعلق بتسجيل الموقع المهني، وتسمية مدير مسؤول لبناني، والإفصاح عن الملكية والتمويل، وحفظ بيانات الاتصال، والفصل بين الإعلان والخبر، والاستجابة لطلبات الرد والتصحيح.

ومن الحكمة أن تبدأ المواقع منذ الآن بوضع سياسة تحريرية مكتوبة، وتوثيق مصادر الأخبار الحساسة، وحفظ المستندات والمراسلات التي تثبت عملية التدقيق، والإشارة بوضوح إلى المواد الإعلانية أو المدفوعة.

 

قانون الإعلام الجديد أفضل بكثير من المنظومة القديمة، ويحقق إصلاحات انتظرها الصحافيون طويلاً. لكنه يحمل تناقضاً جوهرياً: يلغي السجن في قضايا النشر بيد، ثم يعيده باليد الأخرى من خلال المادة 104.

لذلك، فإن الموقف المهني المتوازن ليس إسقاط القانون، بل حماية مكتسباته والمطالبة بإلغاء عقوبة الحبس في المادة 104 أو إعادة صياغتها بصورة دقيقة، بحيث لا تقوم المسؤولية إلا عند إثبات الاختلاق المتعمد والضرر المباشر، مع استثناء الرأي والتحليل والسخرية والخطأ المهني المرتكب بحسن نية.

وحتى صدور القانون في الجريدة الرسمية، تبقى القراءة النهائية مرهونة بالنص الحرفي الذي سيُنشر، لأن الفارق بين قانون يحمي الصحافة وقانون يراقبها قد يكون كلمة واحدة غامضة.

الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي