خاص ايكون نيوز
الدكتورة رشا ابو حيدر
أقرّ مجلس النواب اللبناني اليوم إلغاء عقوبة الإعدام، في خطوة تشريعية تحمل دلالة حقوقية وإنسانية بارزة. لكن قيمة هذا القرار لا ينبغي أن تُقاس فقط بإلغاء العقوبة، بل بما ستفعله الدولة بعد إلغائها.
فالحق في الحياة حق أساسي، وإلغاء عقوبة لا يمكن تدارك آثارها في حال وقوع خطأ قضائي يمثل، من هذه الزاوية، تطورًا مهمًا في حماية الإنسان. لكن حماية المحكوم عليه لا تعني إسقاط حق الضحية في العدالة، ولا حق المجتمع في الأمن والردع.
فالضحية لا تملك بالضرورة حق إعدام الجاني، لكنها تملك حقًا أصيلًا في معرفة الحقيقة، وفي محاكمة عادلة، وحكم قضائي منصف، وعقوبة تُنفّذ. والمجتمع بدوره يحتاج إلى دولة قادرة على ملاحقة مرتكبي الجرائم ومحاسبتهم، لا إلى قوانين جميلة تعجز المؤسسات عن تطبيقها.
وهنا تبدأ مسؤولية لبنان الحقيقية.
نحن لا ننتقد إلغاء عقوبة الإعدام، بل ننتقد الاكتفاء بإلغائها.
فإلغاء الإعدام لا يمكن أن يكون إصلاحًا منفصلًا عن إصلاح العدالة الجزائية: استقلال القضاء، وتسريع المحاكمات، وتحسين أوضاع السجون، وضمان تنفيذ الأحكام، ومواجهة الإفلات من العقاب.
كما أن تزامن هذا التشريع مع النقاش حول العفو العام يفرض على المشرّع أن يكون شديد الدقة في تحديد الآثار القانونية لاستبدال العقوبات، حتى لا يتحول إلغاء الإعدام، بصورة غير مقصودة، إلى رسالة تخفيف للعقوبة في الجرائم الأشد خطورة.
المسألة إذًا ليست: هل نحن مع الإعدام أم ضده؟
المسألة الأهم هي: هل يستطيع لبنان أن يضمن العدالة من دون الإعدام؟
الدولة القوية لا تحتاج إلى الإعدام لإثبات هيبتها، لكنها تحتاج إلى قضاء مستقل، ومحاكمات عادلة وسريعة، وأحكام نافذة، وقانون يُطبّق على الجميع دون استثناء.
لذلك، فإن إلغاء عقوبة الإعدام يمكن أن يكون خطوة متقدمة في حماية الحق في الحياة، لكن نجاحه الحقيقي لن يُقاس بالتصويت عليه في البرلمان، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة تجعل الإفلات من العقاب مستحيلًا.
فالمعيار الحقيقي لدولة القانون ليس أن تملك الحق في إعدام الجاني، ولا أن تلغيه، بل أن تملك القدرة على تحقيق العدالة من دون أن يفلت المجرم من العقاب
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :