ايكون نيوز
في الجنوب لا يحتاج اللبنانيون إلى خرائط المفاوضين كي يعرفوا حقيقة ما يجري. الدخان المتصاعد من القرى، والمنازل التي تُفجّر، والطرقات التي تُقصف، والإنذارات التي تسبق الغارات، كلّها تقول إن العدو الإسرائيلي لم يأتِ إلى طاولة روما باحثًا عن تسوية، بل ذهب إليها محمّلًا بغطرسة القوة، محاولًا تحويل العدوان إلى ورقة تفاوض والاحتلال إلى مكافأة مشروطة.
خلال الساعات الأخيرة، استأنفت قوات الاحتلال غاراتها على جنوب لبنان بعد إنذار بإخلاء بلدة المنصوري، ما أسفر، وفق المعلومات المنشورة، عن سقوط شهيد وإصابة ما لا يقل عن 12 شخصًا. ولم تكن هذه الغارات حادثًا منفصلًا، بل امتدادًا لسياسة الأرض المحروقة التي تشمل تفجير المنازل وتدمير البنى التحتية ومنع الأهالي من العودة الآمنة إلى قراهم.
وقبل ذلك، شهدت قرى حداثا ودير سريان والطيبة عمليات تفجير وإحراق للمنازل، فيما تعرضت منطقة علي الطاهر للقصف. إنها عملية تدمير ممنهج لا يمكن تغليفها بعبارات «الترتيبات الأمنية» أو التعامل معها باعتبارها خروقات عابرة. العدو يهدم القرية اليوم، ثم يدخل إلى المفاوضات غدًا ليبحث الشروط التي يسمح بموجبها لأصحاب الأرض بالعودة إليها.
ومن ركام الجنوب انتقلت المعركة إلى روما، حيث تناقش الجولة السابعة من المفاوضات ملفات الحدود البرية و«المناطق التجريبية» وآلية التحقق وهوية الطرف الثالث الذي سيشرف على الانسحاب وتسليم المواقع إلى الجيش اللبناني. لكنّ المفارقة الفاضحة أن الوفد اللبناني طالب بالتزام واضح بوقف إطلاق النار ووقف تفجير القرى والبنى التحتية، فيما لم يقدّم الجانب الإسرائيلي جوابًا على هذا المطلب حتى الآن.
بل إن الجلسة الثانية تعثرت بعدما طلب وفد العدو تعليقها مؤقتًا، بذريعة الاعتراض على تسريبات لبنانية، قبل أن يتدخل الوفد الأميركي لإجراء اتصالات بين الطرفين. هكذا يتصرّف الاحتلال: يقصف في الجنوب، يهدد المدنيين، يرفض الالتزام بوقف العدوان، ثم يحاول ممارسة دور الطرف الغاضب داخل قاعة التفاوض.
أما مشروع «المناطق التجريبية»، فيحمل في داخله خطرًا سياسيًا بالغًا. فالمشكلة ليست في انتشار الجيش اللبناني على أرضه، فهذا حق سيادي وواجب وطني لا نقاش فيه، بل في محاولة تحويل هذا الانتشار إلى ثمن يدفعه لبنان كي ينسحب المحتل من أرض لبنانية لا يملك أصلًا أي حق في البقاء فيها.
لقد طرح الوفد اللبناني إدراج الخيام وبنت جبيل ضمن المرحلة الجديدة، لكن الجانب الإسرائيلي لم يوافق. وهذه الوقاحة تختصر المشهد بأكمله: محتلّ يرفض الانسحاب من أرض ليست له، ويطالب صاحب الأرض بإثبات «حسن السلوك» قبل أن يدرس إمكانية التراجع عنها.
ما يفعله العدو واضح: استخدام النار لتعديل شروط التفاوض، ورفع كلفة الصمود على لبنان، وتحويل الانسحاب من واجب مفروض إلى تنازل إسرائيلي مزعوم. إنه يريد من بيروت أن تفاوض تحت القصف، وأن تقبل بتجزئة سيادتها إلى مناطق ومراحل واختبارات، بينما يحتفظ لنفسه بحق الغارة والتفجير والاغتيال متى شاء.
لذلك، لا يجوز أن تتحول روما إلى غطاء سياسي للعدوان أو منصة تمنح الاحتلال ما عجز عن تثبيته بالقوة. الأولوية ليست توسيع «المناطق التجريبية» وفق المزاج الإسرائيلي، بل فرض وقف شامل وثابت للاعتداءات، ووقف تفجير القرى، وانسحاب قوات الاحتلال من جميع الأراضي اللبنانية، ووضع جدول زمني واضح ومضمون لعودة الجيش والأهالي وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
الانسحاب ليس هدية يقدمها العدو، والسيادة ليست مادة تجريبية، ودماء الجنوبيين ليست ورقة تفاوض. ومن يريد الحديث عن الأمن، عليه أولًا أن يوقف الطائرات والقصف والتجريف والاحتلال.
أما أن يبقى الجنوب تحت النار، فيما يُطلب من لبنان تقديم الضمانات والتنازلات في روما، فذلك ليس تفاوضًا؛ إنه ابتزاز سياسي وعسكري مكشوف، ومحاولة وقحة لإجبار الضحية على دفع ثمن عدوان الجلاد.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :