الساحل الإفريقي: ساحة حرب جديدة بين روسيا والغرب

الساحل الإفريقي: ساحة حرب جديدة بين روسيا والغرب

 

 

 

 

الساحل الإفريقي: ساحة حرب جديدة بين روسيا والغرب
تقرير استقصائي شامل | آيكن نيوز

 


1. الساحل: بؤرة الإرهاب العالمي
أرقام صادمة
وفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي 2025 ومشروع بيانات موقع النزاعات المسلحة (ACLED)، فإن منطقة الساحل تستحوذ على 51% من وفيات الإرهاب في العالم — ارتفاعاً من 48% في 2023. وفي عام 2024 وحده، سُجلت 7,555 حالة وفاة مرتبطة بالإرهاب على مستوى العالم، منها أكثر من النصف في هذه المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى.

ويستمر التصاعد في 2025 و2026. ففي النصف الأول من 2026 فقط، شهد الساحل موجة غير مسبوقة من الهجمات، كان أبرزها:

هجوم مطار نيامي (يونيو 2026): اقتحام مطار ديوري حماني الدولي في العاصمة النيجرية، أسفر عن مقتل 11 جندياً ومدنيين اثنين، إضافة إلى مقتل 22 من المهاجمين. تبنته جماعة "جامعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) الموالية لتنظيم القاعدة.
مقتل وزير الدفاع المالي (أبريل 2026): مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كمارا في هجوم مسلح — ضربة قاسية للنظام العسكري في باماكو.
هجمات منسقة على شمال مالي: شنتها JNIM وقوات من حركة أزواد الانفصالية في 25 أبريل 2026، مما دفع الكرملين للاعتراف علناً بوجود قواته العسكرية في مالي.
الجماعات المسلحة: صراع على النفوذ
تتصارع جماعتان رئيسيتان على السيطرة:

JNIM (جامعة نصرة الإسلام والمسلمين): مظلة تنظيم القاعدة في الساحل، تشكلت عام 2017 من اندماج عدة فصائل. تسيطر على مناطق واسعة في شمال ووسط مالي، وتتوسع جنوباً نحو بنين وتوغو وغانا وساحل العاج.
ولاية الساحل التابعة لداعش (ISSP): نشطة في شمال بوركينا فاسو وغرب النيجر، ودخلت في صدامات دامية مع JNIM منذ 2020.
وتشير بيانات ACLED إلى أن كلا الجماعتين وسّعتا نطاق عملياتهما في 2025، حيث وصلت JNIM إلى منطقة دوزو جنوب النيجر وإلى شمال نيجيريا، بينما اجتاحت الجماعات الساحلية غرب أفريقيا الساحلية التي كانت مستقرة نسبياً.

2. من واغنر إلى "فيلق أفريقيا": المرتزقة تحت راية الكرملين
إعادة الهيكلة الروسية
في 6 يونيو 2025، أعلنت مجموعة واغنر رسمياً انسحابها من مالي، لتسلم المكان لـ "فيلق أفريقيا" (Africa Corps) — كيان جديد تسيطر عليه وزارة الدفاع الروسية مباشرة. هذا التحول لم يكن تغييراً اسمياً فحسب، بل يعكس استراتيجية موسكو لـ ترسيخ نفوذها الحكومي المباشر في القارة، بعد مقتل مؤسس واغنر يفغيني بريغوزhin في 2023.

ينتشر "فيلق أفريقيا" في مالي (نحو ألف مقاتل)، وبوركينا فاسو، والنيجر، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والسودان. وقد نشرت مقاتلات "سوخوي سو-24" في مالي منذ أبريل 2025 — طائرات لا يملك الجيش المالي القدرة على تشغيلها، مما يؤكد أنها تُدار من قبل الطيارين الروس.

فشل عسكري وانتهاكات جسيمة
بالرغم من التواجد الروسي المكثف، فإن الأرقام تتحدث عن فشل واضح:

انخفضت المعارك التي شارك فيها المقاتلون الروسيون في مالي من 537 إلى 402 معركة (بيانات ACLED).
تواصل الجماعات الجهادية توسعها، والجيش المالي يخسر السيطرة على المزيد من الأراضي.
والأخطر من ذلك هو سجل الانتهاكات المروّع:

مجزرة قرية كيرنيا (يونيو 2026): شنت طائرات "فيلق أفريقيا" غارة جوية على قرية كيرنيا في منطقة موبتي بوسط مالي. أسفرت عن مقتل 8 مدنيين بينهم 3 أطفال (أعمارهم بين سنة و10 سنوات). استهدفت الغارة منزل رئيس القرية وسوقاً للماشية في يوم سوق مزدحم. وفقاً لـ "هيومن رايتس ووتش"، لم تكن هناك خسائر في صفوف المسلحين، ولم تظهر الغارة تمييزاً بين المدنيين والمقاتلين — ما يشكل انتهاكاً صارخاً لقوانين الحرب.
مزاعم متكررة بالاغتصاب والإعدامات الميدانية والذبح في مالي وبوركينا فاسو.
رفعت منظمة "الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان" دعوى قضائية أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان ضد مالي بسبب مسؤوليتها عن جرائم "واغنر/فيلق أفريقيا" (أبريل 2026).
الذهب: الدافع الاقتصادي
ليس الحديث عن "مساعدات أمنية" مجرد رجاء إنساني. تُقدّر اقتصاديات الذهب في الساحل بنحو 15 مليار دولار سنوياً، وتتحكم فيها شبكات التعدين غير الشرعي التي تمول الجماعات المسلحة والمجالس العسكرية وشركات الاستثمار الروسية على حد سواء. ففي بوركينا فاسو، تم تأميم مناجم الذهب وإحلال شركات روسية محل الشركات الغربية. وفي النيجر، استولت المجلسة العسكرية على منجم الأورانيوم الرئيسي من الشركة الفرنسية "أورانو"، وتحالفت مع روسيا لتشغيله.

3. ممالك الانقلابات: تحالف دول الساحل وقطيعته مع العالم
سلسلة الانقلابات
منذ 2020، شهدت منطقة الساحل أكبر موجة انقلابات منذ الاستقلال:

مالي: انقلابان (أغسطس 2020، مايو 2021) — الجنرال أسيمي غويتا يتربع على السلطة.
بوركينا فاسو: انقلابان (يناير 2022، سبتمبر 2022) — الكابتن إبراهيم تراوري.
النيجر: انقلاب يوليو 2023 — الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد بزوم، الذي لا يزال قيد الإقامة الجبرية في منزله.
ميلاد الكونفدرالية
رداً على الضغوط الدولية وعقوبات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، شكلت الدول الثلاث في سبتمبر 2023 "تحالف دول الساحل" (AES). ثم رفعوا التحالف إلى مصاف كونفدرالية في يوليو 2025، وفي 29 يناير 2025 انسحبوا رسمياً من إيكواس.

وفي 20 ديسمبر 2025، أطلقت الكونفدرالية "القوة الموحدة لتحالف دول الساحل" — قوة عسكرية مشتركة تضم نحو 5,000 جندي، بهدف محاربة الجماعات الجهادية والجريمة العابرة للحدود. لكن السؤال: هل تملك هذه القوة القدرة حيث فشلت قوات "بارخان" الفرنسية و"تاكوبا" الأوروبية؟

نهج سياسي واحد: رفض الديمقراطية
تتشابه ممالك الساحل في خطابها المناهض للاستعمار و"السيادة"، لكنها تتفق أيضاً على رفض العودة للحكم المدني:

تراوري في بوركينا فاسو قال صراحة: "يجب أن ننسى الديمقراطية".
أوقفت السلطات المالية بث إحدى أشهر الإذاعات المحلية (يوليو 2026).
تواصل المجلسة العسكرية في النيجر اعتقال الرئيس المنتخب بزوم.
وفي يوليو 2026، انسحبت دول الساحل الثلاث من المحكمة الجنائية الدولية — خطوة وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنها "خيانة للضحايا".

4. خروج فرنسا... وحضور أمريكي متقلب
نهاية عصر "بارخان"
في فبراير 2022، أعلنت فرنسا انسحاب قواتها من مالي بعد قرابة عقد من العمليات العسكرية (عملية "سيرفال" ثم "بارخان"). تبعها انسحاب قوات "تاكوبا" الأوروبية. ثم طُردت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) في يونيو 2023.

أدى هذا الفراغ الأمني إلى تفاقم العنف بشكل كبير. ففي النصف الأول من 2022 وحده، ارتفعت الهجمات بنسبة 50%، وقتل أكثر من ألفي مدني. وقد استغلت الجماعات الجهادية هذا الفراغ لتوسيع نطاق سيطرتها.

واشنطن تعيد حساباتها
في تطور دراماتيكي، أعلنت الولايات المتحدة في فبراير 2026 عن تحول جذري في سياستها تجاه دول الساحل الثلاث:

أرسلت نيك تشيكر، رئيس مكتب الشؤون الأفريقية في الخارجية الأمريكية، إلى باماكو لنقل "احترام واشنطن لسيادة مالي".
أعلنت صراحة أن الديمقراطية لم تعد أولوية: قال مستشار ترامب للشؤون الأفريقية مسعد بولوس لصحيفة "لوموند": "الديمقراطية دائماً محل تقدير، لكن سياستنا هي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى."
أكد الجنرال جون برينان (نائب رئيس أفريكوم) أن الولايات المتحدة تواصل دعم الدول الثلاث في حربها ضد الجهاديين، لا سيما تنظيم الدولة، عبر الدعم الاستخباراتي وربما توريد الأسلحة.
دوافع التحول الأمريكي ثلاثة:

الخوف من الملاذات الآمنة: يخشى الأمريكيون من أن فقدان الحكومات السيطرة على أراضيها قد يسمح للجماعات الجهادية بتطوير قدراتها والتوسع.
المعادن الاستراتيجية: الساحل منتج رئيسي للذهب، ومالي تنتج الليثيوم (مكون أساسي للبطاريات)، والنيجر تمتلك احتياطيات كبيرة من اليورانيوم.
مواجهة روسيا: لا تريد واشنطن أن تترك المجال مفتوحاً أمام موسكو كشريك أمني وحيد.
لكن الولايات المتحدة لا تنوي إعادة نشر قوات برية أو إعادة فتح قاعدة الطائرات بدون طيار في أغاديز (النيجر) التي أغلقتها المجلسة العسكرية.

5. كارثة إنسانية: أرقام تفوق الخيال
النزوح واللاجئون
بحلول نهاية 2025، بلغ عدد النازحين قسراً في الساحل 5.8 مليون شخص — منهم 2.6 مليون لاجئ وطالبي لجوء، والباقي نازحون داخلياً. ويتوقع مفوضية اللاجئين أن يرتفع العدد إلى 5.6 مليون في منطقة "الساحل بلس" بحلول نهاية 2026.

انهيار الغذاء والصحة
24.4 مليون شخص في منطقة الساحل يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في 2026.
بين أكتوبر وديسمبر 2025، عانى 37.5 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد (مستوى الأزمة أو أسوأ)، منهم 27 مليوناً في مستوى طوارئ.
أجبرت نقص التمويل برنامج الأغذية العالمي (WFP) على تعليق المساعدات عن 2 مليون شخص في الساحل الأوسط (أبريل 2025).
يُقدر أن أكثر من 17% من سكان الساحل (98 مليون نسمة) يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
المناخ: قنبلة موقوتة
ترتفع درجات الحرارة في الساحل بمعدل 1.5 مرة أسرع من المتوسط العالمي، مما يدمر سبل عيش الملايين المرتبطة بالزراعة والرعي والصيد. وتزداد الصراعات المجتمعية بين الرعاة والمزارعين والصيادين بسبب ندرة الأرض والمياه — صراعات تستغلها الجماعات المسلحة للتجنيد والسيطرة.

6. الجزائر: لاعب محتجم على الحدود
تشكل الجزائر شريكاً جيوسياسياً محورياً في معادلة الساحل، لكن علاقتها بالدول الثلاث متوترة. ففي أبريل 2025، أسقطت الدفاعات الجزائرية طائرة استطلاع مالية اخترقت مجالها الجوي — حادثة كادت تفجر مواجهة عسكرية.

تتمتع الجزائر بقدرات مكافحة إرهاب متقدمة وخبرة أمنية في الساحل، لكنها رفضت الانضمام للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وتتقاسم أكثر من 2,280 كيلومتراً من الحدود المسامية مع مالي والنيجر، ما يجعلها معرضة لتسرب التهديدات. ومع ذلك، فإن خلافاتها العميقة مع المغرب، وتبنيها نهجاً "سيادياً" صارماً، تحد من قدرتها على لعب دور إقليمي فاعل.

7. مستقبل الساحل: سيناريوهات مظلمة
السيناريو الأرجح: استمرار الفوضى
مع استمرار الحكم العسكري، وغياب الإصلاحات الاقتصادية والحوكمة، وفشل "فيلق أفريقيا" في تحقيق انتصارات ملموسة، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار التدهور:

توسع الجماعات الجهادية نحو دول الساحل الغربي الساحلية (بنين، توغو، غانا، ساحل العاج).
تصاعد المجازر بحق المدنيين من جميع الأطراف.
مزيد من النزوح نحو الجنوب (ساحل العاج، غانا، نيجيريا) وشمالاً نحو الجزائر وليبيا ومنها إلى أوروبا.
الخطر الأوروبي
يظل الساحل نقطة العبور الرئيسية للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء نحو السواحل الشمالية ومنها إلى أوروبا. وتشير التقديرات إلى أن أي تصعيد إضافي في العنف قد يضاعف معدلات النزوح والهجرة بشكل أسي، ما يضاعف الضغوط على الدول الساحلية الشمالية (الجزائر، تونس، ليبيا، المغرب) وعلى أوروبا.

سؤال الاستقرار
هل تستطيع قوة الساحل الموحدة (5,000 جندي) أن تنجح حيث فشلت عملية "بارخان" الفرنسية (5,100 جندي مدعومين بـ 15,000 حافظ سلام تابعين للأمم المتحدة)؟

هل يمكن لأي قوة عسكرية — مهما بلغت تقديمها التكنولوجي — أن تحقق السلام في منطقة يعاني فيها معظم سكانها من الفقر المدقع، وانعدام الأمن الغذائي، وغياب الدولة، وآثار التغير المناخي المدمرة؟

 

كما أثبتت فرنسا على مدى عقد: "الوسائل العسكرية عالية التقنية وحدها لا يمكنها استعادة السلام، ما لم تُعالج الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المعقدة في هذه المنطقة الفقيرة بشكل يفوق الوصف."

 

الخلاصة
الساحل الإفريقي لم يعد هامشاً — بل أصبح المركز. مركز الإرهاب العالمي، ومركز المواجهة الجيو-سياسية بين روسيا والغرب، ومركز أكبر أزمة إنسانية منسية. وفيما تتسابق القوى الكبرى على النفوذ والمعادن، يدفع المدنيون الأبرياء — بالملايين — الثمن من دمائهم ومنازلهم ومستقبلهم.

إن ما يحدث في الساحل ليس مجرد "أزمة إقليمية"، بل هو زلزال جيوسياسي سيعيد رسم خريطة أفريقيا والبحر المتوسط وأوروبا لعقود قادمة. والسؤال ليس "هل ستصل تداعياته إلينا؟" بل "متى... وبأي ثمن؟"

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي