"دولة الإيجارات... كيف تحوّلت الإدارات العامة في لبنان إلى منجم أرباح على حساب الخزينة؟"

"عقود تمتد لعقود، مبانٍ تلتهم المال العام، ودولة تدفع... من دون أن تملك!"

 

 

 

 

"دولة الإيجارات... كيف تحوّلت الإدارات العامة في لبنان إلى منجم أرباح على حساب الخزينة؟"

"عقود تمتد لعقود، مبانٍ تلتهم المال العام، ودولة تدفع... من دون أن تملك!"

تحقيق – ICON NEWS

في بلد يرزح تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه، لا يزال باب من أبواب الهدر مفتوحاً على مصراعيه، وكأنه بمنأى عن كل دعوات الإصلاح. إنه ملف الأبنية المستأجرة للإدارات والمؤسسات العامة، الذي استنزف خزينة الدولة على مدى عقود، وحوّل المال العام إلى مورد دائم لعشرات العقود التي لم تُراجع، ولم تُقيّم، ولم يُسأل أحد عن جدواها.

فبينما يُطلب من اللبنانيين شد الأحزمة، تستمر الدولة في دفع بدلات إيجار بمليارات الليرات سنوياً، لقاء مبانٍ كان يمكن الاستغناء عن كثير منها، أو استبدالها بمجمعات حكومية حديثة توفر المال وتحسن الخدمات.

"دولة بلا بيت"

المفارقة أن الدولة اللبنانية، التي تمتلك آلاف العقارات والأراضي في مختلف المناطق، لا تزال تعتمد على استئجار عدد كبير من المباني لإيواء وزارات وإدارات ومؤسسات رسمية.

بعض هذه العقود يعود إلى عشرات السنين، حتى أصبح الإيجار أشبه بملكية غير معلنة، تدفع الدولة ثمنها عاماً بعد عام، من دون أن تمتلك المبنى، ومن دون خطة لإنهاء هذا النزيف.

والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه:

"كيف يمكن لدولة دفعت إيجارات لعشرات السنوات أن لا تزال مستأجرة حتى اليوم؟"

"مليارات تتبخر"

عندما تُجمع قيمة الإيجارات التي دفعتها الدولة منذ نهاية الحرب الأهلية، يتبين أن المبالغ التي أُنفقت تكفي لبناء عشرات المجمعات الحكومية الحديثة، المجهزة بأحدث التقنيات، وربما أكثر.

لكن ما حصل كان العكس تماماً.

استمرت العقود.

ارتفعت بدلات الإيجار.

وتوسع الاعتماد على المباني الخاصة، حتى أصبحت بعض الإدارات موزعة بين أكثر من مبنى، ما زاد من النفقات التشغيلية وأربك المواطنين.

"المستفيد الأكبر"

لا يعني ذلك أن كل مالك ارتكب مخالفة، فالكثير من العقود أُبرمت وفق الأصول القانونية.

لكن السؤال الحقيقي يتجاوز المالكين إلى الإدارة العامة نفسها:

"من الذي قرر أن يبقى الاستئجار هو الخيار الدائم؟"

ولماذا لم تضع الحكومات المتعاقبة خطة وطنية لبناء مقرات رسمية دائمة؟

وهل كانت بعض عقود الإيجار محمية باعتبارات سياسية أو محاصصات أو مصالح متبادلة؟

هذه أسئلة مشروعة تستحق إجابات شفافة.

"المواطن يدفع الثمن مرتين"

يدفع المواطن الضرائب والرسوم، ثم يدفع ثمن إدارة مترهلة تستهلك جزءاً كبيراً من مواردها في الإيجارات بدل تحسين الخدمات.

وفي المقابل، يضطر للتنقل بين مبانٍ متفرقة لإنجاز معاملة واحدة، بسبب غياب التخطيط الإداري.

أي أن الخسارة ليست مالية فقط، بل تمتد إلى الوقت والإنتاجية وثقة المواطن بالدولة.

"أين الرقابة؟"

أين هي الأجهزة الرقابية؟

وأين تقارير ديوان المحاسبة؟

وهل أجريت مراجعة شاملة لكل عقود الإيجار لمعرفة ما إذا كانت لا تزال ضرورية، أو إذا كانت قيمتها تتناسب مع أسعار السوق؟

في الدول التي تحترم المال العام، تُراجع هذه العقود دورياً، ويُعاد التفاوض بشأنها أو يُصار إلى إنهائها عندما تصبح غير مجدية.

أما في لبنان، فكثير من الملفات بقيت تدور في الحلقة نفسها، حتى أصبحت جزءاً من الواقع الطبيعي.

"التجارب العالمية... نموذج مختلف"

في العديد من الدول، جرى إنشاء مجمعات حكومية موحدة تضم الوزارات والإدارات في مكان واحد.

النتيجة كانت واضحة:

خفض كبير في كلفة الإيجارات.

تحسين الخدمات للمواطنين.

تسهيل التنسيق بين الإدارات.

استثمار أفضل لأملاك الدولة.

تقليص الهدر في الإنفاق التشغيلي.

فلماذا بقي لبنان خارج هذا المسار؟

"الإصلاح يبدأ من هنا"

لا يحتاج هذا الملف إلى شعارات كبيرة، بل إلى قرار سياسي واضح يقضي بإجراء جردة وطنية شاملة لكل المباني المستأجرة، ونشر نتائجها للرأي العام، مع خطة زمنية للانتقال التدريجي إلى مقرات حكومية مملوكة للدولة أو إنشاء مجمعات إدارية حديثة.

فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من زيادة الضرائب، بل من وقف الهدر حيث يوجد.

 

هذا التحقيق ليس موجهاً ضد مالك عقار، ولا ضد موظف، ولا ضد إدارة بعينها.

إنه دعوة إلى مراجعة نموذج كامل في إدارة المال العام.

فأي عهد جديد، وأي حكومة جديدة، لا يمكن أن تدّعي الإصلاح إذا اكتفت بتغيير الوجوه وأبقت النهج نفسه.

لقد أثبتت التجارب أن المحاصصة السياسية لم تقتصر على توزيع المناصب، بل امتدت إلى العقود والصفقات والإيجارات وكل مفاصل الإنفاق العام. وما لم يُكسر هذا النهج، ستبقى الدولة تدفع ثمن أخطاء الماضي، وسيبقى اللبنانيون ينتظرون الدولة العصرية التي وُعدوا بها منذ عقود.

فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول الدولة من مستأجر دائم إلى مالك لقرارها ومؤسساتها، وعندما يصبح المال العام أمانة لا غنيمة. وعندها فقط، يمكن للبنانيين أن يؤمنوا بأن حلم الدولة الحديثة لم يعد مجرد شعار، بل مشروعاً قابلاً للحياة.

"غداً في الملف الاستقصائي (2)"

"المحروقات في لبنان... من يحدد الأسعار؟ وهل يدفع اللبناني أكثر مما يجب؟"

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي