لبنان... بين وعود الإصلاح ودولة المحاصصة لماذا تتبدد أحلام اللبنانيين مع كل عهد جديد؟

لبنان... بين وعود الإصلاح ودولة المحاصصة لماذا تتبدد أحلام اللبنانيين مع كل عهد جديد؟

لبنان... بين حلم الإصلاح وواقع الدولة المترهلة لماذا لا تزال الدولة عاجزة عن الخروج من النفق؟

 

 

 

 

 

– ICON NEWS

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

لبنان... بين حلم الإصلاح وواقع الدولة المترهلة

لماذا لا تزال الدولة عاجزة عن الخروج من النفق؟

 

هناك شعوب تقيس الزمن بالسنوات، وأخرى تقيسه بالإنجازات. أما اللبنانيون، فقد اعتادوا منذ عقود أن يقيسوا الزمن بالعهود الرئاسية، لأن مع كل رئيس جديد يولد حلم جديد، ومع كل خطاب قسم تتجدد الآمال بأن الوطن الذي أنهكته الأزمات والحروب والانهيار الاقتصادي سيخرج أخيراً من النفق المظلم إلى ضوء الشمس.

يتكرر المشهد حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية للبنانيين. خطابات تعد ببناء دولة القانون، واستعادة هيبة المؤسسات، ومحاربة الفساد، وإصلاح الإدارة، وإنعاش الاقتصاد، واسترجاع ثقة الداخل والخارج. وللحظة، يشعر المواطن بأن صفحة جديدة قد فُتحت، وأن سنوات الانتظار الطويلة ربما أوشكت على نهايتها.

لكن السنوات الماضية علمت اللبنانيين درساً قاسياً: **الطريق بين الوعد والتنفيذ هو الأصعب، والأمل كثيراً ما يصطدم بواقع دولة أثقلتها عقود من المحاصصة، حتى بات الإصلاح نفسه يحتاج إلى إصلاح.**

عندما انتُخب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، استقبل اللبنانيون العهد الجديد بقدر كبير من التفاؤل. لم يكن ذلك نابعاً فقط من شخصية الرئيس أو من خطاب القسم، بل من حاجة الناس إلى استعادة الثقة بالدولة بعد سنوات من الانهيار المالي، وانفجار مرفأ بيروت، والشلل المؤسسي، والأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة.

واليوم، وبعد مرور أكثر من عام على انطلاق العهد، لا يبدو المشهد بسيطاً. فمن جهة، هناك انفتاح عربي ودولي، وحراك دبلوماسي، ومحاولات لإعادة لبنان إلى خارطة الاهتمام الدولي. ومن جهة أخرى، لا تزال الملفات التي تمس حياة المواطنين اليومية تتحرك ببطء شديد، فيما يشعر كثيرون بأن الإدارة العامة ما زالت أسيرة الآليات نفسها التي أنتجت الأزمة.

ليست أزمة عهد... بل أزمة دولة

قد يكون من السهل تحميل أي عهد مسؤولية كل ما يجري، لكنه سيكون تبسيطاً لا يخدم الحقيقة.

فالواقع أن الانهيار الذي يعيشه لبنان اليوم لم يولد في عام، ولا في عهد، بل هو نتيجة تراكمات امتدت لعقود، حيث تراجعت هيبة المؤسسات، وتوسعت المحاصصة في التعيينات، وضعفت أجهزة الرقابة، وتعقدت الإدارة حتى أصبحت في كثير من الأحيان عبئاً على المواطن بدلاً من أن تكون في خدمته.

المشكلة الحقيقية أن كل رئيس جديد يدخل إلى قصر بعبدا حاملاً مشروعاً للإصلاح، لكنه يجد نفسه أمام منظومة إدارية وسياسية متشابكة، تتحكم بها توازنات معقدة، تجعل تنفيذ الإصلاح أكثر صعوبة من الإعلان عنه.

حين تصبح الإدارة جزءاً من الأزمة

لم يعد اللبناني يقيّم الدولة من خلال البيانات الرسمية أو المؤتمرات الصحافية، بل من خلال تجربته اليومية.

حين يقف لساعات لإنجاز معاملة بسيطة.

حين ينتظر خدمة يفترض أنها حق بديهي.

حين يضطر إلى دفع كلفة إضافية للحصول على خدمة كان يفترض أن توفرها الدولة.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع صورة الدولة في نظر مواطنيها.

وفي المقابل، لا تزال إدارات عديدة تعاني نقصاً في الكوادر، وشغوراً في مواقع قيادية، واعتماداً على التكليف أو الوكالة في عدد من المراكز، فيما تتأخر مشاريع التحديث والرقمنة التي يمكن أن تختصر الوقت وتحد من البيروقراطية.

اقتصاد لا يحتمل مزيداً من التأجيل

إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى الثقة كي ينمو، فإن الثقة تحتاج إلى إدارة فعالة.

فالاستثمار لا يبحث فقط عن الإعفاءات الضريبية، بل عن قضاء سريع، وإدارة شفافة، وإجراءات واضحة، وبيئة مستقرة.

أما حين تصبح المعاملات معقدة، والرقابة متفاوتة، والقرارات بطيئة، فإن كلفة الاستثمار ترتفع، وتتراجع القدرة على خلق فرص عمل جديدة.

ولا يقتصر الأمر على المستثمرين. فالمواطن أيضاً يدفع ثمن ضعف الإدارة بصورة يومية.

في ملف المحروقات، على سبيل المثال، يطرح كثيرون أسئلة حول سرعة انعكاس ارتفاع الأسعار على السوق، مقابل بطء انعكاس الانخفاض، وحول مدى فعالية الرقابة في حماية المستهلك.

وفي ملف الأسعار، لا يزال اللبناني يواجه موجات غلاء متتالية، فيما تبقى قدرته الشرائية تحت ضغط مستمر.

أما في ملف الأملاك العامة، والأبنية الحكومية المستأجرة، والتهرب الضريبي والجمركي، فتتكرر الدعوات إلى تفعيل الرقابة وتعزيز الشفافية، بما يضمن حماية المال العام وتحسين إدارة الموارد.

هذه الملفات لا يمكن اختزالها باتهامات عامة، لكنها تستحق نقاشاً عاماً يستند إلى الوقائع والبيانات الرسمية، لأن تحسين الإدارة يبدأ بفهم مواطن الخلل.

الإصلاح ليس شعاراً

تجارب الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها تؤكد أن الإصلاح لا يبدأ من الخطابات، بل من الإدارة.

من مؤسسة تعمل وفق القانون.

من موظف يحاسب ويكافأ وفق أدائه.

من أجهزة رقابية مستقلة.

من قضاء قادر على الفصل في النزاعات بسرعة وعدالة.

ومن شفافية تجعل المواطن يعرف كيف تُدار أمواله، وكيف تُتخذ القرارات التي تمسه.

السؤال الذي يواجه لبنان

قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وفي الخيارات الوطنية، وفي الأولويات الاقتصادية، لكنهم يكادون يجمعون على حقيقة واحدة: لا يمكن بناء اقتصاد قوي بدولة ضعيفة، ولا يمكن اجتذاب الاستثمارات بإدارة متعثرة، ولا يمكن استعادة ثقة المواطنين إذا بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن مواكبة حاجاتهم.

لهذا، فإن السؤال الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على تقييم عهد أو حكومة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكبر:

هل يملك لبنان الإرادة لإصلاح الدولة نفسها، أم سيبقى يدور في الحلقة ذاتها، حيث تتغير الوجوه وتبقى الآليات على حالها؟

بداية رحلة... لا نهايتها

هذا التحقيق ليس حكماً على أحد، ولا دفاعاً عن أحد.

إنه محاولة لفهم الأسباب التي جعلت الإصلاح يتعثر مراراً، ولماذا بقيت الدولة، رغم كل الوعود، عاجزة عن استعادة كامل دورها.

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي عهد أو حكومة أن تبني دولة جديدة بعقلية العهود والحكومات السابقة. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من تبديل الأشخاص فقط، بل من تغيير النهج، والابتعاد عن مكمن الخلل الأساسي الذي أنهك لبنان لعقود: منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ على حساب منطق الدولة والمؤسسات.

فكل مشروع إصلاحي يبقى ناقصاً ما لم يتحرر القرار الوطني من الحسابات الضيقة، وما لم تُستبدل ثقافة الغنائم السياسية بثقافة المسؤولية والمحاسبة. لأن استمرار النهج نفسه يعني عملياً دفن حلم اللبنانيين بقيام دولة عصرية، عادلة، قادرة على حماية مواطنيها وإدارة مواردها بعيداً عن الزبائنية والهدر.

لبنان لا يحتاج إلى عهد جديد بالاسم فقط، بل إلى ولادة سياسية جديدة تعيد الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة، وتفتح الطريق أمام مستقبل يستحقه اللبنانيون.

 

"فالمشكلة في لبنان لم تكن يوماً غياب الطاقات، بل غياب القرار بإقامة دولة فوق الجميع."

ولهذا، تبدأ ICON NEWS اعتباراً من الغد نشر سلسلة استقصائية بعنوان:

"تشريح الدولة اللبنانية"

سنفتح فيها، بالوثائق والأرقام والوقائع، ملفات الإدارة العامة، والكهرباء، والمحروقات، والأملاك العامة، والجمارك، والرقابة، والإنفاق العام، وغيرها من الملفات التي تشكل العمود الفقري للدولة.

فالهدف ليس البحث عن متهمين بقدر ما هو البحث عن أسباب الخلل، لأن الدول لا تنهض بالشعارات، بل بالإدارة الرشيدة، والمحاسبة، وسيادة القانون.

ICON NEWS
الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي