الإمبراطورية بين القنابل والاستعمار الثقافي: أقراط زندايا تحكي ذاكرة إيران المنهوبة

الإمبراطورية بين القنابل والاستعمار الثقافي: أقراط زندايا تحكي ذاكرة إيران المنهوبة

لم يكن ظهور الممثّلة الأميركية زندايا بأقراط صُنعت من ميداليات ذهبية تعود إلى «كنز زيويه» الإيراني مجرّد تفصيل في حملة الترويج لفيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان.

 

 

 

 

لم يكن ظهور الممثّلة الأميركية زندايا بأقراط صُنعت من ميداليات ذهبية تعود إلى «كنز زيويه» الإيراني مجرّد تفصيل في حملة الترويج لفيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان. فقد أثارت الإطلالة عاصفةً من الانتقادات، بعدما أعادت إلى الواجهة ملف نهب الآثار الإيرانية، وسوق التحف الاستعمارية، والسؤال المتجدّد: هل تتحوّل ذاكرة الحضارات المنهوبة إلى زينة تتباهى بها النخب الغربية؟

 
 
في عصور غابرة، كان المنتصر يثبّت هيمنته عبر امتلاك رموز المهزوم؛ يحمل سلاحه، يرتدي زينته، أو يستعرض مُقتنياته بوصفها دليلاً على القوة والسيطرة. ومع أن تلك الممارسات بدت وكأنها اندثرت مع زمن الغزوات ومنطق الغلبة، فإنها عادت بأشكال أكثر نعومة، خلف أضواء الشهرة وبريق الرفاهية.
 
في قفزة عابرة لآلاف السنوات، تحديداً في بداية شهر تموز (يوليو) الحالي، ظهرت الممثّلة الأميركية زندايا وهي ترتدي ميداليات ذهبية إيرانية أثرية على شكل أقراط، خلال فعّالية ترويجية لفيلم «الأوديسة» (The Odyssey) في لندن. وبينما قُدّمت الخطوة في البداية باعتبارها جزءاً من «الأزياء المنهجية» التي تربط إطلالة الممثّل بعالم الشخصية التي يؤدّيها، سرعان ما تجاوز الجدل حدود الموضة، ليمتدّ إلى أوساط علماء الآثار والمؤرّخين ووسائل التواصل الاجتماعي.
 
 
فقد رأى منتقدون أنّ تحويل قطع أثرية تحمل ذاكرة حضارة إيرانية عمرها آلاف السنوات إلى أكسسوار فاخر لا ينفصل عن تاريخ طويل من اقتلاع تراث الشعوب وإعادة تقديمه داخل أسواق النخبة العالمية، ولا سيما في لحظة سياسية تتزامن مع استمرار الحرب الأميركية على «الحضارة الإيرانية»، على حدّ تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
 
نهب الحضارات
تألّفت الأقراط من ميداليات ذهبية إيرانية قديمة أعاد صائغ المجوهرات اللندني غلين سبايرو تثبيتها ضمن تصميم حديث من الذهب عيار 18 قيراطاً والألماس، في إطار مجموعته «مواد من العالم القديم».
وتعود القطع الأثرية، بحسب شبكة «يورونيوز»، إلى ما يُعرف بـ«كنز زيويه» في شمال غرب إيران، وهو اكتشاف أثري تعرّض منذ أربعينيات القرن الماضي لعمليات نهب وتفكيك، قبل أن تتوزّع قطعه بين المتاحف الغربية والمجموعات الخاصة وتجار الآثار. ورغم زعم دار «بارون لندن» أنّ الأقراط جرى التعامل معها وفق الأطر القانونية، يشير عدد من الباحثين إلى أنّ مسار انتقال هذه القطع إلى الأسواق الدولية لا يزال غامضاً، ما يثير تساؤلات حول شرعية خروجها من موطنها الأصلي.
 
ارتداء قطع أثرية أصلية يسهم في تطبيع سوق الآثار المنهوبة ويمنحها هالة من الشرعية
 
 
في هذا السياق، انتقد علماء آثار ومؤرّخون هذه الخطوة، معتبرين أنّ ارتداء قطع أثرية أصلية يسهم في تطبيع سوق الآثار المنهوبة ويمنحها هالة من البريق والشرعية. كما رأى آخرون أنّ الأمر يختزل حضارات كاملة في رموز جمالية مُجتزأة من سياقها التاريخي، ويعيد توظيفها لإنتاج صورة أسطورية عن الماضي تخدم مناسبات النخبة الثقافية.
 
«خطيئة» في التوقيت الخاطئ
 
من جهة أخرى، تزداد حساسية القضية بسبب التوقيت السياسي. فقد جاءت إطلالة زندايا في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة الأميركية عدوانها على إيران للشهر الخامس على التوالي، حاصدةً أرواح أكثر من ثلاثة آلاف إيراني. لم تُؤكّد زندايا أو تنفِ معرفتها بخلفية القطع الأثرية ومسار انتقالها، لكنّ ذلك لم يُعفِها من سهام النقد اللاذعة، ولا سيّما أنّ المشهد تكامل من أُذُنَيْ زندايا إلى سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث تستمر سياسات الهيمنة على موارد الشعوب وثرواتها، فيما تتحوّل آثارها إلى مُقتنيات فاخرة تتباهى بها النخب الغربية.
 
لا تُعدّ هذه الصورة الجدلية جديدة. منذ القرن التاسع عشر، امتلأت متاحف أوروبا وأميركا بآثار جرى الحصول عليها خلال الحقبة الاستعمارية، من رخاميات البارثينون اليونانية إلى برونزيات بنين الأفريقية، وصولاً إلى آلاف القطع العراقية والمصرية والسورية والإيرانية التي خرجت من أوطانها في ظروف مُلتبِسة. وفي كثير من الحالات، جرى تبرير ذلك تحت شعار «الحفاظ على التراث»، فيما كان الواقع يعكس اختلالاً هائلاً في موازين القوة بين الدول الاستعمارية والشعوب الخاضعة للهيمنة.
 
لذلك تكتسب قضية أقراط زندايا بعداً يتجاوز الخطأ البريء في تنسيق الأزياء أو اختيار غير موفّق لإكسسوار تاريخي. هي تكشف استمرار نظرة ثقافية أعمق ترى أنّ إرث الشعوب الأخرى قابل للاقتناء وإعادة التوظيف وفق أهواء النخب الغربية، حتى لو كان هذا الإرث قد انتُزع من سياقه التاريخي والجغرافي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي