“الاتفاق الإطاري”.. لماذا الإصرار على خيار الاستسلام؟
تنطبق بنود “الاتفاق الإطاري” الذي وقّعته السلطة في لبنان على مواصفات وثيقة الاستسلام أكثر مما تنطبق على اتفاق بين طرفين متكافئين. فالدول المستسلمة وحدها تقبل ببقاء الاحتلال، وتسمح بتكريس وجوده، وتمتنع عن المطالبة الصريحة بإنهائه في نص تضع توقيعها عليه.
ويضاف إلى ذلك أمر يكاد يكون خاصاً بالحالة اللبنانية، وهو التعهد بوقف كل أشكال الملاحقة القضائية الهادفة إلى محاسبة العدو على جرائم حرب ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية، وانطبقت عليها معايير الإبادة العمرانية والثقافية والبيئية.
خطاب متناقض لتبرير الاتفاق
ومع ذلك، يعتمد المدافعون عن الاتفاق خطاباً متناقضاً. فمن جهة، يصرّون على أن ما قاموا به هو قرار كبير وتاريخي اتخذته “الدولة”، انطلاقاً من مقتضيات الحفاظ على السيادة، واستعادة حضورها، وممارسة حقها الحصري في إعلان الحرب والسلم، وفق ما يردده أنصار خيار التفاوض المباشر.
ومن جهة أخرى، يواجهون الانتقادات الواسعة للاتفاق بالقول إنه جاء نتيجة موازين القوى التي أفرزتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والتي لا تسمح بتحصيل أفضل مما ورد فيه. وهم، بذلك، يقرّون، ولو بصورة ضمنية، بأن الاتفاق يشوبه كثير من الثغرات والاختلالات، وصولاً إلى التفريط بمقومات السيادة.
وفي الحالتين، لا تخلو هذه المقاربة من المغالطات والتضليل. فليس كل تفاوض تجريه “الدولة” دليلاً على قوتها أو تماسكها، بل قد يكون العكس هو الصحيح.
فالدول قد تسيء استخدام صلاحياتها، أو تدير ملفاتها السيادية بطريقة تفضي إلى نتائج كارثية على البلاد، وتفاقم ضعفها وهشاشتها.
والتفاوض، بوصفه امتداداً للحرب بوسائل أخرى، يشكّل معركة لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية، وقد يؤدي سوء إدارته إلى خسارة البلاد جانباً من سيادتها ومنعتها.
الدولة ليست مجرد شعار
والدولة ليست مجرد عنوان يُرفع أو شعار يُتداول، بل هي منظومة أدوار ووظائف ومؤسسات.
فإذا أخلّت بهذه الوظائف، فقدت مضمونها، أو تحولت إلى هيكل فارغ. والدولة في لبنان، كما يعلم الجميع، تعاني ضعفاً وهشاشة وعجزاً عن أداء كثير من وظائفها الأساسية.
أما محاولة التعويض عن هذا الواقع عبر الإصرار على تصويرها بخلاف حقيقتها، فلا تصنع دولة، بل تمنحها بعداً كاريكاتورياً، وتُضعف ثقة المواطنين بها وبالخطاب الذي يروّج لهذه الصورة، كما تؤدي إلى تآكل هيبتها بدلاً من تعزيزها.
وكان الأولى أن يعترف رئيسا الجمهورية والحكومة، اللذان يشكلان رأس حربة في مواجهة المقاومة، بحقيقة الواقع، وأن يحددا مكامن الضعف، وينطلقا نحو حوار وطني جاد لمعالجتها، والعمل على التوافق بشأن استراتيجية دفاعية تستفيد من عناصر القوة التي يمتلكها لبنان، بدلاً من الإصرار على خطاب لا يغني ولا يسمن، ولا يبني دولة بطبيعة الحال.
موازين القوى لم تفرض الاستسلام
أما تسويق الاتفاق على أنه نتيجة حتمية لتداعيات الحرب، فهو أيضاً ينطوي على كثير من المغالطات. فصمود المقاومة في الميدان، وإلحاقها خسائر بالعدو واستنزافه على مدى أربعة أشهر، إلى جانب التطور الإقليمي المتمثل في إخفاق الولايات المتحدة و”إسرائيل” في تحقيق أهدافهما من الحرب على إيران، كلها عوامل أسهمت في إعادة رسم المشهد.
كما أن إعلان إيران تمسكها بأن يشمل أي اتفاق إيراني – أميركي الملف اللبناني، من خلال اعتبار وقف الحرب على لبنان، والحفاظ على وحدة أراضيه وسيادته، بما يُترجم بانسحاب الاحتلال، شرطاً أساسياً يسبق بدء المفاوضات وتوقيع أي اتفاق، هو عنصر لا يمكن تجاهله عند قراءة السياق الذي أُنجز فيه هذا الاتفاق.
وكل هذه العوامل تجعل المفاوض في موقع يتيح له رفض التوقيع على اتفاق يبدو أقرب إلى صك استسلام منه إلى تسوية سياسية متوازنة. فالاستسلام، كما هو معلوم، ليس مجرد نتيجة ميدانية، بل هو قرار سياسي واستراتيجي وقانوني تتداخل في صنعه عوامل متعددة، ويأتي استجابةً لوقائع محددة، من أبرزها:
أولاً: أن تكون الهزيمة العسكرية حاسمة إلى درجة تجعل القوات المسلحة عاجزة عن مواصلة القتال. وهذا لا ينطبق على الحالة اللبنانية، إذ واصلت المقاومة القتال والتصدي، وألحقت بالعدو الإسرائيلي خسائر جسيمة، وفق ما أقرّ به مسؤولون إسرائيليون أنفسهم. وقد صدرت عن مسؤولين إسرائيليين تصريحات أشارت إلى أن “إسرائيل” لم تحقق أهدافها المعلنة، سواء بالقضاء على حزب الله أو بإعادة الأمن إلى المستوطنات الشمالية.
ثانياً: احتلال عاصمة الدولة. وهذا أيضاً لم يتحقق، بل كان بعيد المنال. فقد تمكنت “إسرائيل” من احتلال العاصمة بيروت خلال أقل من أسبوع عام 1982، بينما صمدت المقاومة أربعة أشهر في الجنوب، وظلت قادرة على استنزاف العدو وإيلامه، ومنعته من تحقيق التقدم البري الذي كان يخطط له. ولم يكن احتلال بيروت خياراً واقعياً مطروحاً خلال الحرب، إدراكاً من الاحتلال لصعوبة تحقيق هذا الهدف، أو لعدم قدرته على تحمل كلفته العسكرية.
ثالثاً: فقدان الحلفاء أو انقطاع الدعم الخارجي. ويُعد هذا من أبرز العوامل التي تدفع الدول إلى إعلان الاستسلام، وهو ما لم يكن متوافراً في الحالة اللبنانية. فقد شكّلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنداً سياسياً مهماً، من خلال إصرارها على تضمين التفاهمات التي جرت في إسلام آباد وجنيف الملف اللبناني، بما يفتح نافذة يمكن للبنان أن يستفيد منها. ولو أحسن الفريق المفاوض توظيف هذه الورقة، لكان قادراً على تحقيق مكاسب إضافية تصبّ في المصلحة اللبنانية.
أداء تفاوضي ضعيف
إلا أن الأداء اللبناني، للأسف، اتسم بضعف الكفاءة السياسية والتفاوضية. كما أن سلوك المسؤولين الذين أصروا على خيار التفاوض المباشر، وقبولهم المتكرر بالأوراق التي تطرحها واشنطن في ختام كل جولة تفاوضية، بدا أقرب إلى تنفيذ التزامات سبق أن تعهدوا بها منه إلى إدارة تفاوضية تستند إلى المصالح الوطنية أو موازين القوى الفعلية.
ويبدو أن هذا المسار يقوم على محاولة إدراج لبنان ضمن المحور الأميركي – الإسرائيلي، وهو هدف تجعله التجربة التاريخية اللبنانية بعيد المنال. فقد أثبتت هذه التجربة مراراً صعوبة فرض خيارات استراتيجية من هذا النوع على مجتمع محكوم بتوازنات دقيقة وحساسة.
والأخطر من ذلك أن الإصرار على هذا النهج قد يدفع نحو انفجار داخلي جديد، على غرار ما شهدته البلاد عامي 1958 و1975، بما يؤدي إلى مزيد من إضعاف الدولة ومؤسساتها، بدلاً من تعزيزها وترسيخ استقرارها
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي