خاص ايكون نيوز
بقلم: ليليان عبد الخالق – باحثة في العلوم السياسية
منذ سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، والعالم يبحث عن تفسير يمنحه بعض اليقين في مواجهة الفوضى الدولية المتصاعدة. لحظة الانتصار التي بشّرت بعالم أكثر استقراراً لم تدم طويلاً، فقد عادت القوميات، وبرزت قوى جديدة، وتحولت الصراعات من مواجهة أيديولوجية واضحة إلى تنافس معقد تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا.
في هذا المناخ ظهرت نظريات حاولت رسم خريطة للعالم الجديد، كان أبرزها طرح صامويل هنتنغتون حول "صدام الحضارات"، ورؤية ألكسندر دوغين لعالم متعدد الأقطاب يقوم على أدوار حضارية متنافسة. كلاهما قدّم تفسيراً واسعاً للتحولات الدولية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول النظريات إلى قوالب جاهزة تفسّر كل صراع من خلالها، فتغيب التفاصيل الواقعية خلف عناوين كبرى مثل الحضارة والهوية والقطب.
لم يكن هنتنغتون يصف العالم فقط، بل كان يعبّر أيضاً عن قلق غربي من مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين لم يعد الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب كافياً لفهم طبيعة المنافسة الدولية. فاقترح أن خطوط الانقسام القادمة ستكون حضارية وثقافية.
لكن الخطر في هذه الرؤية يكمن في تحويل الهوية إلى قدر سياسي ثابت، وكأن الدول والشعوب تتحرك فقط وفق انتماءاتها الحضارية، متجاهلين أن التاريخ أثبت أن المصالح، والموارد، وموازين القوة، والأمن، كثيراً ما تكون عوامل أكثر تأثيراً في صناعة الصراعات.
فليست كل حرب بين أطراف مختلفة ثقافياً حرباً حضارية، كما أن كثيراً من النزاعات التي تُقدّم بهذه الصورة تخفي خلفها صراعاً على النفوذ أو الموقع الجيوسياسي أو المصالح الاقتصادية.
أما ألكسندر دوغين، فقد قدّم خطاباً ينتقد الهيمنة الغربية ويدعو إلى عالم متعدد الأقطاب يحترم خصوصية الحضارات. ومن حيث المبدأ، فإن الدعوة إلى نظام دولي أكثر توازناً تطرح سؤالاً مشروعاً حول عدالة توزيع القوة في العالم.
لكن عند قراءة هذا المشروع في سياقه السياسي، يظهر أنه لا يقتصر على الدفاع عن التنوع الحضاري، بل يرتبط أيضاً برؤية جيوسياسية أوراسية تمنح روسيا دوراً مركزياً كقوة حضارية كبرى. وهنا تظهر المفارقة: فالتعددية القطبية قد تكون أحياناً هدفاً لتحقيق توازن دولي، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أداة تستخدمها القوى الكبرى لتعزيز نفوذها وتوسيع مجالها الحيوي.
فليس كل خطاب عن مقاومة الهيمنة يعني بالضرورة تجاوز منطق الهيمنة، إذ قد تتغير القوى والأسماء بينما يبقى منطق القوة حاضراً.
ومن هنا تكمن المشكلة المشتركة بين النظريتين: اختزال العالم في هويات كبرى، وإهمال حقيقة أساسية مفادها أن الصراعات الأكثر تأثيراً غالباً ما تحدث داخل المجتمعات نفسها، وليس فقط بين الحضارات.
فالحرب في أوكرانيا ليست مجرد صدام بين "الغرب" و"روسيا"، كما أنها ليست ترجمة بسيطة لصراع بين حضارات متنافسة. إنها نتيجة تداخل معقد بين اعتبارات أمنية وتاريخية وجيوسياسية واستراتيجية، استخدمت خلالها الأطراف المختلفة خطاب الهوية لتقديم روايات تخدم مصالحها.
وكذلك فإن التنافس الأمريكي الصيني لا يمكن اختزاله في مواجهة بين نموذجين حضاريين، بل هو قبل كل شيء صراع على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي، والقدرة على صياغة قواعد النظام الدولي المقبل. أما القيم والثقافة فتُستدعى أحياناً لمنح هذه المنافسة بعداً أخلاقياً.
وفي قلب هذه الصراعات الكبرى تبقى الدول الصغيرة والمجتمعات الهشة الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر، رغم أنه غالباً لا يملك القدرة على التأثير في مسار الأحداث.
لبنان مثال واضح على ذلك؛ فهو لا يقع في "خط تماس حضاري"، بل في منطقة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متنافسة. فالهوية والانقسامات الداخلية كثيراً ما تُستخدم كأدوات سياسية في صراعات النفوذ، بينما يتحمل المجتمع نتائج صراعات تتجاوز حدوده وقدرته على التحكم بها.
إن المشكلة ليست في وجود اختلافات بين الحضارات، فالتنوع جزء من طبيعة العالم، بل في تحويل هذه الاختلافات إلى أدوات سياسية لتبرير الصراع وإخفاء المصالح الحقيقية خلف شعارات كبرى.
العالم القادم لن يُفهم من خلال نظرية واحدة مغلقة؛ فلا "صدام الحضارات" وحده يفسر التحولات الدولية، ولا "التعددية القطبية" تكفي لفهم تعقيدات النظام العالمي الجديد. المطلوب هو القدرة على الفصل بين الخطاب والفعل، وبين الشعارات والمصالح، وبين الهوية باعتبارها قيمة إنسانية وبين استخدامها كوسيلة للصراع.
فالسؤال الحقيقي ليس: أي حضارة ستنتصر؟
بل: من يملك القوة؟ من يصنع القرار؟ ومن يدفع ثمن الصراعات التي تُخاض باسمه؟
في النهاية، قد لا تكون الحضارات هي التي تتصادم، بل قد تكون الأقنعة هي التي تتساقط، لتظهر خلفها حقيقة أكثر واقعية: عالم تحكمه المصالح وموازين القوة، بينما تدفع الشعوب كلفة صراعات لم تخترها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :