باب المندب يتكلّم... وصنعاء ترسم خرائط جديدة.

باب المندب يتكلّم... وصنعاء ترسم خرائط جديدة.

 

 

 

 

ايكون نيوز

ليليان عبد الخالق – باحثة في العلوم السياسية. 

 

ثمة لحظات في السياسة لا يكفي فيها أن تسمع ما يُقال، بل عليك أن تقرأ ما يُخفيه الكلام. وخطاب صنعاء الأخير كان واحداً من تلك اللحظات؛ رسالة جيوسياسية مكثّفة تتجاوز حدود اليمن لتتمدّد نحو القرن الأفريقي، تقرأها العواصم بعيون متفاوتة بين القلق والتشكيك، لكنها في كل الأحوال لم تعد قابلة للتجاهل.

 

حين يُعلن قائد جماعة أنصار الله أنه يتابع "التطورات في أرض الصومال"، ويضيف أن قواته "ستبادر في أي وقت لاستهداف أي تمركز إسرائيلي هناك"، فإن معادلة الصراع تدخل مرحلة مختلفة. لم يعد الخطاب يقتصر على الردّ داخل نطاق المواجهة المباشرة، بل يطرح مبدأ توسيع نطاق الردع إلى فضاءات جغرافية جديدة. وسواء كان ذلك يعكس قدرة عملياتية مكتملة أم يندرج في إطار الردع السياسي والاستراتيجي، فإن الرسالة بحد ذاتها تستحق التوقف عندها.

 

فمنذ سنوات، تتحدث تقارير وتحليلات عن سعي إسرائيل إلى توسيع حضورها في القرن الأفريقي عبر شراكات أمنية واقتصادية وعلاقات متنامية مع عدد من الفاعلين في المنطقة، في ظل التنافس الدولي المتزايد على الممرات البحرية الحيوية. وفي هذا السياق، برز ميناء بربرة في أرض الصومال بوصفه أحد أهم المرافئ في القرن الأفريقي، ويحظى باهتمام متزايد من القوى الإقليمية والدولية بالتوازي مع المساعي الإثيوبية المتكررة للحصول على منفذ بحري يعزز موقعها الاستراتيجي.

 

وليس ذلك تفصيلاً جغرافياً عابراً. فمن يتحكم في باب المندب يمتلك تأثيراً مباشراً في أحد أهم شرايين التجارة العالمية. فهذا المضيق الضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي تعبره عشرات آلاف السفن سنوياً، ويمثل ممراً أساسياً لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. لذلك ظلّ موضع تنافس دائم بين القوى الكبرى، من الولايات المتحدة إلى الصين، وصولاً إلى القوى الإقليمية الصاعدة. واليوم، يبدو أن صنعاء تريد أن تقول إنها أصبحت لاعباً لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة.

 

غير أن المفارقة الأبرز في الخطاب تكمن في دعوته إلى موقف موحّد للدول الإسلامية والدول المطلة على البحر الأحمر، في وقت تسير فيه المنطقة في اتجاه مختلف تماماً. فالتطبيع يتقدم، والتحالفات يعاد رسمها وفق اعتبارات اقتصادية وأمنية، والمصالح باتت في كثير من الأحيان تتقدم على الشعارات التقليدية. وبين خطاب يدعو إلى المواجهة وواقع إقليمي يعيد ترتيب أولوياته، تبدو الفجوة السياسية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

 

ويبقى السؤال الأهم: هل يعكس هذا الخطاب تحولاً استراتيجياً حقيقياً في طبيعة الصراع، أم أنه يندرج أساساً ضمن استراتيجية ردع تهدف إلى فرض معادلات جديدة قبل اختبارها ميدانياً؟ يصعب الجزم بالإجابة، لكن المؤكد أن البحر الأحمر والقرن الأفريقي لم يعودا هامشاً في الحسابات الإقليمية والدولية، بل أصبحا من أكثر الجبهات حساسية في إعادة تشكيل موازين القوى.

 

فالخرائط التي رسمتها القوى الكبرى قبل عقود لم تعد ثابتة كما كانت، والقوى المحلية والإقليمية باتت تمتلك قدرة أكبر على التأثير في معادلات الأمن البحري وخطوط التجارة الدولية. وما كان يُنظر إليه سابقاً كصراع يمني داخلي، بات يرتبط بصورة متزايدة بشبكة أوسع من التنافس الإقليمي والدولي تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي.

 

الخليج لا ينام، والبحر الأحمر لم يعد ممراً هادئاً، وباب المندب لا يقرأ حركة السفن وحدها، بل يقرأ أيضاً تحولات موازين القوى. أما الذين لا يزالون ينظرون إلى هذه المنطقة باعتبارها هامشاً جغرافياً، فقد يجدون أنفسهم قريباً أمام خرائط جديدة رُسمت من دون أن ينتبهوا إلى لحظة ولادتها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي