خصائصه تهدد الأمن الأميركي... ماذا نعرف عن "كلود فابل 5"؟
بعد أيام قليلة من إطلاق شركة "أنثروبيك" الأميركية نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي "كلود فابل 5"، الذي وصفته بأنه أقوى من أن يُطرح للعامة ويتجاوز قدرات "تشات جي بي تي" و"جيميناي"، أجبرت السلطات الأميركية الشركة على تعليق نموذجها الجديد إثر مخاوف أمنية تتعلق بالأمن القومي.
وتلقت الشركة أمراً يقضي بمنع الأجانب من استخدام النموذج كونه قادراً على اكتشاف الثغرات الخطرة ويمكّن القراصنة من تجاوز القيود البرمجية المصممة لحماية الأنظمة الرقمية، مما قد يسمح لهم بالوصول إلى معلومات حساسة أو تفعيل خصائص محظورة والعمل ضد أهم مؤسسات العالم السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وقبل ذلك، أبدى مسؤولون في قطاعات المال والتكنولوجيا والحكومة مخاوف بشأن طرح النموذج للعامة، بعدما أُتيح بصورة محدودة سابقاً لأغراض المعاينة واختبار الثغرات داخل أنظمة الشركة. فهل دخل العالم عصر السلاح السيبراني الذكي الذي لا يحتاج إلى جيوش من القراصنة، وهل تستطيع الولايات المتحدة احتكار هذه القدرات ومنع خصومها من الوصول إليها،
ماذا نعرف عن نموذج "كلود فابل 5"؟
يعد "كلود فابل 5" نسخة من برنامج "كلود مايثوس"، ويعد على نطاق واسع أحد أكثر النماذج كفاءة لهندسة البرمجيات المتقدمة والبحث العلمي وسير العمل الوكيل طويل الأمد.
صُمم هذا النموذج للتعامل مع المهام المعقدة متعددة الخطوات، ويتميز بمرونة عالية، مما يسمح للمستخدم غالباً بتسليمه مشروعاً كبيراً للعمل عليه في يوم واحد. وعند مواجهة مطالبات عالية الخطورة مثل طلبات الأمن السيبراني المتقدمة أو الطلبات البيولوجية، يعيد النموذج توجيه هذه المهام المحددة بسلاسة إلى نموذج احتياطي.
لماذا قيدت الحكومة الأميركية هذا النموذج؟
تقول الشركة الأميركية إن السلطات اكتفت بتقديم مبررات شفهية تفيد بأن النموذج الجديد يمكن استخدامه بسهولة في اكتشاف ثغرات أمنية داخل أنظمة برمجية مختلفة. لكن صحيفة "وول ستريت جورنال" كشفت أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قررت وقف إتاحة النموذج عقب محادثات أجراها الرئيس التنفيذي لشركة "أمازون" آندي جاسي، مع عدد من المسؤولين الأميركيين البارزين، وقد أبلغ هذا الأخير المسؤولين الأميركيين بأن باحثين في "أمازون" تمكنوا، من خلال سلسلة من الأوامر والاستفسارات الموجهة إلى نموذج "كلود فابل 5"، من الحصول على معلومات يمكن توظيفها في دعم هجمات سيبرانية.
وبذلك يشكل النموذج تهديداً مزدوجاً للأمن السيبراني، فقد أسهمت قدراته المتقدمة في فحص الشفرات بتسريع اكتشاف الثغرات الأمنية، إلا أن ذكاءه الأساس القوي كان ينذر بخطر إساءة استخدام جسيمة في حال تجاوز إجراءات الحماية عبر عمليات "كسر الحماية" السريعة. ولهذا السبب، أمرت الحكومة الأميركية بتعليق الوصول إليه نظراً لمخاوف تتعلق بالأمن القومي.
يمتلك محرك "كلود مايثوس" الأساس القدرة على اكتشاف الثغرات الأمنية الحرجة في أنظمة التشغيل والمتصفحات الرئيسة بكلفة ووقت أقل بكثير. وفي حال اختراقه أو كسر حمايته، قد تسمح هذه الميزات المتقدمة للمهاجمين بكتابة برامج استغلال فعالة، أو برامج ضارة، أو نصوص برمجية لرفع مستوى الصلاحيات بسرعة فائقة. فيما يتطلب دمج نموذج ذكاء بهذا الحجم في مؤسسة ما منحه إمكان الوصول إلى كميات هائلة من قواعد البيانات الخاصة. وإذا تمكن مهاجم من اختراق نظام أداة الذكاء الاصطناعي عبر صلاحيات الوصول، فبإمكانه جمع بيانات حساسة واستخدام النموذج لاستكشاف نقاط الضعف الداخلية غير المعالجة.
أتمتة الحرب السيبرانية
ما نتحدث عنه هنا يعني أننا ندخل عصراً تتزايد فيه أتمتة جوانب عدة من الحرب السيبرانية بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لكننا لم نصل بعد بطبيعة الحال إلى عالم لا حاجة فيه للمخترقين البشريين، فالخبرة البشرية والاستراتيجية والاستخبارات لا تزال مهمة، ولكن ما يتغير هو نطاق وسرعة ودقة العمليات السيبرانية.
تقليدياً، كانت الهجمات السيبرانية تتضمن أفراداً مهرة يقومون بالبحث عن الثغرات الأمنية وكتابة برامج استغلال الثغرات والتنقل داخل الشبكات، وغيرها من الأمور. واليوم يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة أن تساعد بصورة متزايدة في عديد من المهام كقراءة آلاف الوثائق وتحليل مخططات الشبكة وتوليد التعليمات البرمجية وتطوير البرمجيات الخبيثة.
ومن شبه المؤكد أن الوكالات العسكرية والاستخباراتية تعمل اليوم على بناء أنظمة أكثر تخصصاً لمسح الشبكات والبحث عن الثغرات الأمنية ومحاكاة الهجمات وتنفيذ إجراءات دفاعية تلقائياً
لماذا لا تزال هناك حاجة إلى القراصنة البشر؟
تتجاوز الحرب السيبرانية مجرد كتابة البرامج، ولا يزال العنصر البشري ضرورياً للتخطيط الاستراتيجي وتحديد الأهداف المهمة وتقدير التبعات السياسية وأخطار التصعيد.
وغالباً ما تتطلب البيئات غير المتوقعة تقنيات مبتكرة والارتجال وفهم السلوك البشري وتكامل المعلومات الاستخباراتية. وعادةً ما تُدمج العمليات السيبرانية مع استخبارات الأقمار الاصطناعية والاستخبارات البشرية والأهداف العسكرية. ولا تزال هذه العمليات مجتمعة تعتمد بصورة كبيرة على العنصر البشري.
هل تستطيع دول أخرى بناء أنظمة مشابهة لـ"كلود فابل 5"؟
نظرياً، بإمكان الدول التي تمتلك موارد كافية تطوير أنظمة مماثلة لهذا النموذج، إذ تمتلك الصين موارد حاسوبية هائلة وأعداداً كبيرة من باحثي الذكاء الاصطناعي وخبرة في أشباه الموصلات والأمن السيبراني، وهي على الأرجح أقرب منافس للولايات المتحدة في هذا المجال.
في المقابل، بإمكان الدول الأوروبية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا تطوير أنظمة متقدمة بصورة فردية أو تعاونية. فيما تمتلك إسرائيل أحد أكثر أنظمة الأمن السيبراني تطوراً في العالم، ويمكنها نشر أدوات سيبرانية متطورة للغاية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتشهد الهند نمواً سريعاً في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ويمكنها أن تصبح أكثر قدرة على ذلك.
هل يستطيع أحد مجاراة القدرات السيبرانية الأميركية؟
إن مجاراة النظام البيئي الأميركي بأكمله هي عملية أصعب بكثير من مجاراة نموذج ذكاء اصطناعي واحد، لا سيما أن الولايات المتحدة تستفيد من قوة حاسوبية هائلة تنتجها شركاتها العملاقة الرائدة عالمياً.
وتتميز الولايات المتحدة بعامل المواهب إذ تستقطب نخبة من أفضل العقول في العالم، كعلماء الذكاء الاصطناعي وخبراء التشفير وباحثي الأمن السيبراني. كذلك تتميز الولايات المتحدة بتحالفات عالمية وشبكات الأقمار الاصطناعية وقدرات استخبارات الإشارات وبنية تحتية رقمية واسعة النطاق.
ويمكننا القول إنه بالنسبة لمضاهاة القدرات الأميركية، فبإمكان الدول الأخرى تطوير أنظمة مماثلة لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وربما تمتلك بالفعل أدوات سيبرانية متطورة للغاية. مع ذلك، فإن إعادة إنتاج المزيج الكامل لشركات الذكاء الاصطناعي الأميركية ووكالات الاستخبارات والقيادات السيبرانية العسكرية والبنية التحتية الحاسوبية وعقود من الخبرة المتراكمة، يمثل تحدياً أكبر بكثير.
كيف ستبدو الحرب السيبرانية المستقبلية؟
ستتميز أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقبلية بالعمل المستمر والبحث في ملايين الأنظمة في وقت واحد واكتشاف الثغرات الأمنية تلقائياً والتنسيق مع أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى والدفاع عن الشبكات من دون تدخل بشري والتكيف أثناء الهجمات في الوقت الفعلي. في عالم كهذا، قد يتحكم فريق صغير من المشغلين بقدرات سيبرانية تتطلب اليوم آلاف المتخصصين.
وبحلول ثلاثينيات القرن الحالي، قد تعتمد القوة السيبرانية بصورة أقل على عدد القراصنة البشر وأكثر على من يمتلك أكثر وكلاء الذكاء الاصطناعي قدرة وموارد الحوسبة وأنظمة الاستخبارات المتكاملة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي