ليليان عبد الخالق — باحثة في العلوم السياسية
يقصفون الأرض ليسرقوا البحر
لم يكن صدفةً أن تندلع الحرب على لبنان في كل مرة تقترب فيها خرائط الطاقة من الاكتمال. ولم يكن مصادفةً أن تتزامن كل جولة تفاوض مع تصعيد عسكري أو ضغط سياسي أو انهيار داخلي جديد. فالصدف في السياسة نادرة، والتوقيت في الجيوسياسة ليس بريئاً أبداً.
في عام 2022، وقّع لبنان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل برعاية أميركية، وبدا للوهلة الأولى أن صفحة جديدة تُفتح. غير أن المتأمل في تفاصيل تلك الاتفاقية يجد أن لبنان حصل على حقه في استكشاف البلوك التاسع، فيما احتفظت إسرائيل بحقها في استمرار استخراج حقل كاريش الذي طالما نازعه لبنان. وفي المعادلة الجيوسياسية، ليست الاتفاقية التي تُرضي الجميع هي الأعدل بالضرورة، بل ربما هي تلك التي تحفظ للأقوى ما يريد وتمنح الأضعف وهم الانتصار.
والسؤال الذي لا يطرحه كثيرون هو التالي: لماذا ظل لبنان عقوداً عاجزاً عن استكشاف مياهه الاقتصادية فيما كانت إسرائيل تستخرج وتصدّر وتبني خطوط أنابيب؟ الجواب لا يكمن في الجيولوجيا، بل في السياسة. فالدولة التي تعيش في حالة حرب متقطعة، وتنهار عملتها، وتتشقق مؤسساتها من الداخل، لا تملك ترف الاستثمار في مشاريع الطاقة التي تحتاج عقوداً من الاستقرار.
وهنا تتكشّف المفارقة المؤلمة: الحرب لا تمنع استخراج النفط فحسب، بل تُبقي الطاقة المحتملة رهينةً في قعر البحر، عاجزةً عن أن تتحوّل إلى قوة. وفي حسابات القوى الإقليمية والدولية، لبنان ضعيف ومثقل بالديون ومشتت بالطائفية أكثر نفعاً من لبنان واثق يستخرج غازه ويبني صندوقه السيادي. فالثروة الغائبة لا تُهدَّد، لكنها أيضاً لا تُستخدم.
وما زاد الصورة وضوحاً هو ما كشفته حرب 2006 وما تلاها من جولات: أن البنية التحتية اللبنانية كانت هدفاً بامتياز. فتدمير المرافئ والمطارات وشبكات الطاقة ليس عملاً عسكرياً عشوائياً، بل رسالة استراتيجية مفادها أن أي مشروع تنموي طموح سيواجه ثمناً باهظاً. والدولة التي لا تستطيع حماية بنيتها التحتية لن تجرؤ على استثمار ثرواتها الطبيعية.
وما جاءت به حرب 2024 لم يكن استثناءً من هذه القاعدة، بل تأكيداً لها. فالجنوب اللبناني الذي يقع على تماس مباشر مع المنطقة الاقتصادية الخالصة المتنازع عليها كان الأكثر استهدافاً والأشد تدميراً. وحين يُمحى حضور الدولة من منطقة بعينها، وتُدمَّر بنيتها وتُهجَّر ساكنيها، فإن الفراغ الذي يتركه هذا الدمار لا يبقى فارغاً طويلاً بل يتحول إلى مساحة مفتوحة لإعادة رسم الحدود والنفوذ.
وما يجري في 2026 يعمّق هذه القراءة. فالقصف المتواصل على الجنوب اللبناني لا يبدو، في ضوء التوقيت والجغرافيا، مجرد عملية أمنية محدودة الأهداف. إنه، في التحليل الاستراتيجي، تفريغ منهجي لمنطقة تقع فوق ثروة محتملة وبجوار حقول تُستخرج على الجانب الآخر من الحدود. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط من يقصف، بل ما الذي يضمنه هذا القصف حين تنتهي الحرب ومن سيجلس أمام طاولة الاستثمار في الطاقة حين يصمت الرصاص.
ولا يقتصر هذا الرهان على إسرائيل وحدها. فالقوى الكبرى التي ترعى مفاوضات الطاقة في المتوسط تجد في استمرار الفوضى اللبنانية ما يخدم حساباتها. أوروبا الباحثة عن بديل للغاز الروسي تتجه نحو الموردين الموثوقين على ضفاف المتوسط، فيما تحرص واشنطن على أن تبقى خرائط الطاقة في المنطقة متوافقة مع أمن حلفائها. وفي كلتا الحالتين، الجنوب اللبناني المُدمَّر والمُهجَّر هو الخاسر الأول في معادلة لم يرسم أحدٌ خطوطها له.
وفي هذا السياق، يبدو لبنان لاعباً يجلس على طاولة رُسمت قواعدها قبل أن يدخلها. فالثروة المحتملة في مياهه ليست ورقة قوة بعد، بل هي رهان يراهن عليه الآخرون قبله من يستكشف، ومن يستثمر، ومن يبني خطوط التصدير، ومن يحدد الأسعار.
الحرب على لبنان لم تكن يوماً فقط حرب أيديولوجيا أو دين أو حدود. كانت دائماً، في جزء منها، حرباً على إمكانية أن يكون لبنان دولةً قادرة. ودولة قادرة تجلس على هذا الكم من الإمكانات الجيوسياسية والطاقوية هي آخر ما تريده موازين القوى الإقليمية الراهنة.
ثروته لم تُستخرج لأن حروبه لم تتوقف. وحروبه لم تتوقف لأن ثروته لم تُستخرج بعد.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :