ليليان عبد الخالق - باحثة في العلوم السياسية
مئة عام مرّت على ولادة الدستور اللبناني، ولبنان لا يزال يتصرّف كدولةٍ قيد التجربة. كأن هذا الكيان لم يحسم
بعد ما إذا كان يريد أن يكون دولة فعلية أو مجرد تسوية دائمة بين الطوائف. قرنٌ كامل والنص موجود، لكن الدولة التي يفترض أن يحميها النص لا تزال مؤجلة.
في الثالث والعشرين من أيار 1926، وُلد دستورٌ يُفترض أنه يؤسس لدولة حديثة: مؤسسات، فصل سلطات، مساواة بين المواطنين، وهوية سياسية تتجاوز العصبيات. لكن ما حدث لاحقاً كان شيئاً آخر تماماً. فالدستور في لبنان لم يتحوّل إلى مرجعية عليا، بل إلى مادة انتقائية تُقرأ بحسب ميزان القوى. كل فريق يأخذ منه ما يناسبه، ويتجاهل ما يهدد مصالحه، حتى أصبح النص الدستوري أشبه بأرشيف سياسي أكثر منه عقداً وطنياً ملزِماً.
في الخطاب الرسمي، لبنان دولة مدنية. أما في الواقع، فالدولة نفسها تُدار كتحالف دائم بين الطوائف. الرئاسات موزعة سلفاً، والإدارات تُقاس بالتوازنات لا بالكفاءة، وحتى أصغر وظيفة تمر أولاً عبر غربال الانتماء السياسي والمذهبي. الجميع يهاجم الطائفية أمام الكاميرات، والجميع يعود إليها لحظة اقتسام السلطة. هذه ليست ازدواجية عابرة، بل جوهر النظام اللبناني نفسه: طبقة سياسية تعيش من الطائفية وتبكي على الدولة في الوقت ذاته.
ثم جاء اتفاق الطائف عام 1989، لا كحل نهائي، بل كهدنة طويلة بعد حربٍ أنهكت الجميع. الاتفاق حمل مشروعاً واضحاً: إعادة بناء الدولة، تعزيز المؤسسات، والانتقال التدريجي نحو إلغاء الطائفية السياسية. لكن ما جرى فعلياً كان مختلفاً تماماً. الطائف لم يتحوّل إلى مشروع دولة، بل إلى آلية لإدارة النزاعات بين القوى نفسها التي عطّلت قيام الدولة. تُطبَّق منه البنود التي توسّع النفوذ، وتُجمَّد البنود التي تبني المؤسسات. النظام اللبناني لا يفشل في بناء الدولة، بل ينجح باستمرار في منع قيامها، لأن قيام دولة فعلية يعني حكماً سقوط جزء كبير من منظومة الامتيازات التي تحكم البلاد منذ عقود.
الأخطر أن السلطة لم تكتفِ بتعطيل الدستور، بل عطّلت أيضاً إمكان تفسيره. فحين منح الطائف المجلس الدستوري حق تفسير النصوص، سارعت الطبقة السياسية إلى سحب هذه الصلاحية من دون تقديم بديل. خطوة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تكشف جوهر الأزمة اللبنانية: نظام لا يريد حكماً فوقه، ولا مرجعية تحدّ من قدرته على المناورة. في لبنان، المطلوب دائماً أن يبقى الدستور قابلاً للتأويل السياسي، لا للتطبيق القانوني.
وهنا يظهر السؤال الذي يهرب منه الجميع: هل يمكن بناء دولة فعلية داخل نظام يقوم أساساً على توزيع الولاءات؟ وهل الطائفية السياسية نتيجة ضعف الدولة أم السبب المباشر في انهيارها؟ اللبنانيون يناقشون هذا السؤال منذ عقود من دون الاقتراب من الجواب، لأن الجواب الحقيقي مكلف. بناء الدولة يعني سقوط امتيازات كثيرة، وإلغاء الطائفية يحتاج أولاً إلى سلطة مستعدة للتخلي عن أدوات سيطرتها، وهذا ما لم يحدث يوماً.
لبنان اليوم يعيش مفارقة قاسية: نصوص دستورية تشبه الدول الحديثة، وممارسة سياسية تشبه أنظمة ما قبل الدولة. الجميع يتحدث عن الإصلاح، لكن أحداً لا يريد دفع ثمنه. والجميع يطالب بالقانون، شرط أن يبقى قابلاً للتجاوز عند الحاجة. لذلك تبدو الأزمة اللبنانية أعمق من خلاف سياسي أو خلل إداري؛ إنها أزمة نظام اعتاد التعايش مع هشاشته أكثر مما اعتاد البحث عن حلول لها.
بعد قرنٍ كامل، لا يزال اللبناني يعيش داخل دولة مكتوبة أكثر مما هي موجودة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :