خاص ICON NEWS
لم يعد العالم يشبه ذلك النظام الدولي الذي تشكّل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حين بدت الولايات المتحدة وكأنها القوة الوحيدة القادرة على فرض إرادتها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً على العالم بأسره.
اليوم، وبعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والتحولات الاقتصادية، يبدو المشهد الدولي وكأنه يدخل مرحلة جديدة بالكامل، عنوانها الأبرز:
عودة المحاور الكبرى.
فمن أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي، ومن الخليج إلى الشرق الأوسط، تتشكل تدريجياً خريطة عالمية جديدة تقوم على توازنات معقدة، لا على هيمنة مطلقة كما كان الحال خلال العقود الماضية.
الولايات المتحدة ما تزال القوة الأكبر عالمياً بلا شك، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد القادر على رسم المشهد منفرداً.
الصين تصعد اقتصادياً وتكنولوجياً بوتيرة غير مسبوقة، وروسيا تعود بقوة إلى واجهة الصراع الدولي رغم العقوبات والحرب الأوكرانية، فيما تحاول قوى إقليمية أخرى كإيران وتركيا والهند فرض حضورها ضمن النظام العالمي الجديد.
واللافت أن التطورات الأخيرة كشفت بوضوح أن العالم بدأ ينقسم فعلياً إلى معسكرات ومحاور متقابلة، ليس بالضرورة وفق الشكل التقليدي للحرب الباردة، بل عبر شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والعسكرية والطاقة والتكنولوجيا.
التحالف الروسي – الصيني يبدو اليوم المثال الأكثر وضوحاً على هذا التحول.
فالعلاقة بين موسكو وبكين لم تعد مجرد تنسيق سياسي عابر، بل تحولت إلى شراكة استراتيجية عميقة تشمل:
* الطاقة،
* الأمن،
* التكنولوجيا،
* التجارة،
* وحتى إعادة صياغة النظام المالي العالمي بعيداً عن الهيمنة الغربية.
وفي المقابل، تحاول واشنطن الحفاظ على تحالفاتها التقليدية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، لكنها تواجه تحديات متزايدة مع تراجع القدرة على خوض حروب مفتوحة طويلة كما في السابق.
الحرب الأوكرانية نفسها تحولت إلى واحدة من أبرز ساحات هذا الصراع العالمي الجديد.
فالولايات المتحدة تعتبر أن منع روسيا من تحقيق انتصار استراتيجي ضرورة للحفاظ على النظام الدولي الغربي، بينما ترى موسكو أن المعركة تتجاوز أوكرانيا إلى مواجهة شاملة مع النفوذ الأميركي.
أما الصين، فتراقب المشهد بعين مختلفة:
هي لا تريد حرباً عالمية مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تعمل بهدوء على بناء عالم متعدد الأقطاب يقلّص الهيمنة الأميركية تدريجياً.
وفي الشرق الأوسط، تبدو التحولات أكثر وضوحاً.
دول الخليج باتت تنتهج سياسة أكثر استقلالية، تقوم على تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان الكامل لواشنطن كما في السابق، فيما تتقدم الصين اقتصادياً داخل المنطقة، وتحاول روسيا تثبيت نفوذها السياسي والعسكري.
حتى إيران، رغم العقوبات والضغوط، تحاول التموضع ضمن هذا المشهد العالمي الجديد مستفيدة من الانقسام الدولي الكبير.
لكن الأخطر في كل ما يجري أن العالم يدخل مرحلة تزداد فيها احتمالات الصدامات غير المباشرة:
* حروب اقتصادية،
* صراعات تكنولوجية،
* معارك نفوذ،
* وعقوبات متبادلة،
بدلاً من المواجهات العسكرية التقليدية الشاملة.
فالكل يدرك أن الحروب الكبرى بين القوى النووية قد تكون كارثية على الجميع، ولذلك تتحول المعارك تدريجياً إلى صراع استنزاف طويل متعدد الأدوات.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم:
هل نحن فعلاً أمام نهاية زمن القطب الأميركي الواحد؟
الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تفقد قوتها، لكنها فقدت القدرة على التحكم المنفرد بكل مفاصل النظام الدولي كما كان الحال بعد الحرب الباردة.
العالم اليوم أكثر تعقيداً،
وأكثر انقساماً،
وأكثر استعداداً لإعادة رسم خرائط النفوذ من جديد.
ولهذا تبدو السنوات المقبلة مفتوحة على مرحلة تاريخية جديدة، قد تعيد تشكيل موازين القوى الدولية لعقود طويلة قادمة، في عالم لم يعد يقبل بقيادة قوة واحدة مهما بلغت قوتها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :