العالم اليوم لا يعيش فقط صراع نفوذ بين قوى كبرى، بل يقف أمام مخاض تاريخي قد ينقل البشرية من مرحلة “القطب الواحد” الذي حكم العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، إلى نظام متعدد الأقطاب تتحكم به التوازنات الاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا والتحالفات العسكرية الجديدة.
اللقاء بين ترامب وشي يحمل في طياته ما هو أبعد من الحرب التجارية التقليدية. فالرجلان يدركان أن الاقتصاد العالمي وصل إلى مرحلة خطيرة من التشابك والتوتر تجعل أي مواجهة مفتوحة بين واشنطن وبكين تهديداً مباشراً للنظام المالي العالمي بأسره.
ترامب، الذي عاد بخطاب أكثر تشدداً تجاه الصين، يدرك في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على خوض مواجهة اقتصادية طويلة بلا أثمان داخلية قاسية، خصوصاً مع التضخم، وأزمات سلاسل الإمداد، وتراجع القدرة الصناعية الأميركية مقارنة بالصعود الصيني المتسارع.
أما الصين، فتتعامل مع المعركة بعقل بارد واستراتيجية النفس الطويل. بكين لا تريد إسقاط أميركا، بل تريد انتزاع اعتراف أميركي بأنها شريك نِدّي لا يمكن تطويقه أو عزله.
ومن هنا، فإن أي تفاهم بين الطرفين لن يكون “مصالحة كاملة”، بل إدارة دقيقة للصراع:
لكن الأخطر أن الصين باتت تملك اليوم أوراقاً لم تكن تملكها قبل سنوات:
بالنسبة إلى روسيا، فإن أي تقارب أميركي – صيني يحمل وجهين متناقضين.
الوجه الأول إيجابي: لأن موسكو تريد تخفيف التوتر الدولي الذي يرهق الاقتصاد العالمي ويزيد الضغوط الغربية.
أما الوجه الثاني، فهو القلق من احتمال أن تحاول واشنطن إغراء الصين بتفاهمات استراتيجية تقلّص من اندفاعة التحالف الروسي – الصيني.
لكن الكرملين يعرف جيداً أن العلاقة بين بكين وموسكو تجاوزت مرحلة “التحالف الظرفي”. فالعقوبات الغربية على روسيا دفعت البلدين نحو شراكة أعمق:
لهذا تأتي قمة شي – بوتين كرسالة مباشرة للعالم: التحالف الشرقي ما زال متماسكاً رغم كل محاولات الاحتواء الغربية.
المواجهة الكبرى لم تعد عسكرية فقط، بل مالية واقتصادية.
العالم يشهد اليوم معركة ضخمة حول:
الصين وروسيا تدفعان تدريجياً نحو تقليص الاعتماد على الدولار، فيما تحاول واشنطن الحفاظ على النظام المالي الذي منحها لعقود قدرة هائلة على فرض العقوبات والتحكم بالأسواق.
ومن هنا يمكن فهم سبب الهلع الأميركي من توسع مجموعة ، لأن نجاح هذا التكتل يعني ولادة مراكز مالية وتجارية بديلة قد تُضعف النفوذ الأميركي التاريخي.
أي تفاهم أو تصعيد بين واشنطن وبكين وموسكو سينعكس مباشرة على الشرق الأوسط.
فالمنطقة لم تعد مجرد ساحة نزاعات محلية، بل أصبحت عقدة جيوسياسية عالمية ترتبط بـ:
وفي هذا السياق، يبدو أن القوى الكبرى تحاول منع الانفجار الشامل حالياً، لأن أي حرب واسعة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود خطير وانهيارات مالية يصعب احتواؤها.
لكن في المقابل، فإن فشل التفاهمات الدولية قد يدفع العالم إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول النزاعات الإقليمية إلى ساحات تصفية حسابات بين القوى الكبرى.
ربما لا تزال الولايات المتحدة القوة الأولى عالمياً عسكرياً ومالياً، لكن المؤشرات الدولية تكشف بوضوح أن العالم لم يعد كما كان قبل عشرين عاماً.
فالصين تصعد بثبات، وروسيا رغم العقوبات ما زالت لاعباً استراتيجياً خطيراً، والتكتلات الاقتصادية الجديدة تكسر تدريجياً احتكار الغرب للنظام الدولي.
لهذا فإن القمم المقبلة ليست مجرد اجتماعات سياسية، بل مفاصل تاريخية قد تحدد شكل العالم لعقود قادمة:
وفي الحالتين، يبدو أن البشرية دخلت بالفعل مرحلة انتقالية عنوانها الأكبر: “نهاية اليقين الأميركي… وبداية معركة رسم النظام العالمي الجديد.”
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :