من بكين إلى موسكو: قمم تعيد رسم العالم… هل بدأ عصر ما بعد الهيمنة الأميركية؟

من بكين إلى موسكو: قمم تعيد رسم العالم… هل بدأ عصر ما بعد الهيمنة الأميركية؟

 

 

 

 

في لحظة دولية شديدة الحساسية، لا تبدو اللقاءات المرتقبة بين و، ثم بين و، مجرد محطات بروتوكولية عابرة، بل تبدو أقرب إلى حلقات مترابطة في عملية إعادة تشكيل النظام العالمي سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً.

العالم اليوم لا يعيش فقط صراع نفوذ بين قوى كبرى، بل يقف أمام مخاض تاريخي قد ينقل البشرية من مرحلة “القطب الواحد” الذي حكم العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، إلى نظام متعدد الأقطاب تتحكم به التوازنات الاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا والتحالفات العسكرية الجديدة.

أولاً: قمة شي – ترامب… الاقتصاد يسبق السياسة

اللقاء بين ترامب وشي يحمل في طياته ما هو أبعد من الحرب التجارية التقليدية. فالرجلان يدركان أن الاقتصاد العالمي وصل إلى مرحلة خطيرة من التشابك والتوتر تجعل أي مواجهة مفتوحة بين واشنطن وبكين تهديداً مباشراً للنظام المالي العالمي بأسره.

ترامب، الذي عاد بخطاب أكثر تشدداً تجاه الصين، يدرك في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على خوض مواجهة اقتصادية طويلة بلا أثمان داخلية قاسية، خصوصاً مع التضخم، وأزمات سلاسل الإمداد، وتراجع القدرة الصناعية الأميركية مقارنة بالصعود الصيني المتسارع.

أما الصين، فتتعامل مع المعركة بعقل بارد واستراتيجية النفس الطويل. بكين لا تريد إسقاط أميركا، بل تريد انتزاع اعتراف أميركي بأنها شريك نِدّي لا يمكن تطويقه أو عزله.

ومن هنا، فإن أي تفاهم بين الطرفين لن يكون “مصالحة كاملة”، بل إدارة دقيقة للصراع:

  • واشنطن تريد حماية تفوقها التكنولوجي والدولاري.
  • وبكين تريد كسر القيود الأميركية على تجارتها وتوسعها العالمي.

لكن الأخطر أن الصين باتت تملك اليوم أوراقاً لم تكن تملكها قبل سنوات:

  • هيمنة صناعية واسعة.
  • تمدد اقتصادي عبر مشروع “الحزام والطريق”.
  • نفوذ متصاعد داخل إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
  • وتقدم هائل في الذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا.

ثانياً: لماذا تراقب موسكو هذه القمة بقلق وارتياح معاً؟

بالنسبة إلى روسيا، فإن أي تقارب أميركي – صيني يحمل وجهين متناقضين.

الوجه الأول إيجابي: لأن موسكو تريد تخفيف التوتر الدولي الذي يرهق الاقتصاد العالمي ويزيد الضغوط الغربية.

أما الوجه الثاني، فهو القلق من احتمال أن تحاول واشنطن إغراء الصين بتفاهمات استراتيجية تقلّص من اندفاعة التحالف الروسي – الصيني.

لكن الكرملين يعرف جيداً أن العلاقة بين بكين وموسكو تجاوزت مرحلة “التحالف الظرفي”. فالعقوبات الغربية على روسيا دفعت البلدين نحو شراكة أعمق:

  • الصين تحتاج الطاقة الروسية.
  • وروسيا تحتاج الأسواق الصينية.
  • وكلاهما يريد تقليص هيمنة الدولار الأميركي.

لهذا تأتي قمة شي – بوتين كرسالة مباشرة للعالم: التحالف الشرقي ما زال متماسكاً رغم كل محاولات الاحتواء الغربية.

ثالثاً: الاقتصاد… ساحة الحرب الحقيقية

المواجهة الكبرى لم تعد عسكرية فقط، بل مالية واقتصادية.

العالم يشهد اليوم معركة ضخمة حول:

  • العملات الدولية.
  • طرق التجارة.
  • الممرات البحرية.
  • المعادن النادرة.
  • أشباه الموصلات.
  • والذكاء الاصطناعي.

الصين وروسيا تدفعان تدريجياً نحو تقليص الاعتماد على الدولار، فيما تحاول واشنطن الحفاظ على النظام المالي الذي منحها لعقود قدرة هائلة على فرض العقوبات والتحكم بالأسواق.

ومن هنا يمكن فهم سبب الهلع الأميركي من توسع مجموعة ، لأن نجاح هذا التكتل يعني ولادة مراكز مالية وتجارية بديلة قد تُضعف النفوذ الأميركي التاريخي.

رابعاً: الشرق الأوسط… بين التهدئة والانفجار

أي تفاهم أو تصعيد بين واشنطن وبكين وموسكو سينعكس مباشرة على الشرق الأوسط.

فالمنطقة لم تعد مجرد ساحة نزاعات محلية، بل أصبحت عقدة جيوسياسية عالمية ترتبط بـ:

  • الطاقة.
  • أمن الممرات البحرية.
  • النفوذ العسكري.
  • ومستقبل إسرائيل وإيران.

وفي هذا السياق، يبدو أن القوى الكبرى تحاول منع الانفجار الشامل حالياً، لأن أي حرب واسعة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود خطير وانهيارات مالية يصعب احتواؤها.

لكن في المقابل، فإن فشل التفاهمات الدولية قد يدفع العالم إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول النزاعات الإقليمية إلى ساحات تصفية حسابات بين القوى الكبرى.

خامساً: هل بدأ فعلاً عصر ما بعد أميركا؟

ربما لا تزال الولايات المتحدة القوة الأولى عالمياً عسكرياً ومالياً، لكن المؤشرات الدولية تكشف بوضوح أن العالم لم يعد كما كان قبل عشرين عاماً.

فالصين تصعد بثبات، وروسيا رغم العقوبات ما زالت لاعباً استراتيجياً خطيراً، والتكتلات الاقتصادية الجديدة تكسر تدريجياً احتكار الغرب للنظام الدولي.

لهذا فإن القمم المقبلة ليست مجرد اجتماعات سياسية، بل مفاصل تاريخية قد تحدد شكل العالم لعقود قادمة:

  • إما عالم تسويات وتوازنات جديدة،
  • أو عالم صدامات كبرى مفتوحة اقتصادياً وسياسياً وربما عسكرياً.

وفي الحالتين، يبدو أن البشرية دخلت بالفعل مرحلة انتقالية عنوانها الأكبر: “نهاية اليقين الأميركي… وبداية معركة رسم النظام العالمي الجديد.”

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي