ايكون نيوز
لم تعد المفاوضات الأميركية – الإيرانية مجرّد نقاش تقني حول تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل تحولت إلى واحدة من أخطر المعارك الجيوسياسية المفتوحة على مستقبل الشرق الأوسط بأكمله.
التطورات الأخيرة كشفت بوضوح أن المنطقة كانت أقرب إلى مواجهة عسكرية كبرى مما كان يُعتقد. فحديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “تعليق هجوم” على إيران ليس تفصيلاً عابراً، بل اعتراف ضمني بأن الخيار العسكري كان مطروحاً بجدية على الطاولة، قبل أن تتقدم لغة التفاوض مجدداً على صوت التصعيد.
الأكثر أهمية في تصريحات ترامب كان إشارته إلى أن السعودية وقطر والإمارات طلبت منه إرجاء الضربة، في مؤشر واضح على حجم القلق الخليجي من أي انفجار إقليمي واسع قد يهدد استقرار المنطقة وأسواق الطاقة والممرات البحرية والاقتصادات الخليجية نفسها.
هذا التحول يكشف حقيقة جديدة في الشرق الأوسط:
دول الخليج لم تعد تنظر إلى الحرب مع إيران باعتبارها فرصة لإعادة رسم التوازنات، بل باتت ترى فيها خطراً وجودياً قد يخرج عن السيطرة ويصيب الجميع بلا استثناء.
في المقابل، تبدو إيران اليوم مختلفة عن تلك التي واجهت العقوبات قبل سنوات. فرغم الضغوط الاقتصادية الهائلة، ورغم الحصار والعقوبات والتهديدات العسكرية، ما زالت طهران قادرة على الحفاظ على بنيتها السياسية والعسكرية، إضافة إلى استمرار نفوذها الإقليمي الممتد من الخليج إلى المتوسط.
التقارير الاستخباراتية الغربية نفسها بدأت تعكس هذا الواقع، بعدما تبيّن أن الضربات والضغوط لم تؤدِّ إلى انهيار القدرات الإيرانية كما كانت تراهن بعض الدوائر الأميركية والإسرائيلية.
لكن الحقيقة الأهم أن الطرفين، الأميركي والإيراني، يفاوضان اليوم من منطلق واحد غير معلن:
لا أحد يريد الحرب الشاملة… ولا أحد قادر على حسم الصراع بالكامل.
واشنطن تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة تهدد القوات الأميركية والقواعد العسكرية وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، فضلاً عن خطر انفجار أسعار النفط واهتزاز الاقتصاد العالمي.
أما إيران، فتعرف جيداً أن استمرار الحصار بهذه الوتيرة يضغط بقوة على الداخل الإيراني، ما يجعل تخفيف العقوبات والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي أولوية استراتيجية للنظام.
من هنا تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى “إدارة صراع” لا إلى صناعة سلام حقيقي.
فما يجري خلف الكواليس لا يتعلق فقط بالملف النووي، بل يشمل:
* أمن الخليج،
* مستقبل الوجود الأميركي في المنطقة،
* أمن إسرائيل،
* الملاحة والطاقة،
* وشكل التوازنات الجديدة بين واشنطن وموسكو وبكين وطهران.
كما أن استخدام باكستان قناة لنقل الرسائل بين الطرفين يعكس حساسية المرحلة، ويؤكد أن المفاوضات دخلت مستوى أمنياً واستراتيجياً بالغ التعقيد.
وفي خلفية كل ذلك، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحاً:
العالم تغيّر.
الولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة القادرة على فرض شروطها كما في العقود الماضية، بينما استفادت إيران من التحولات الدولية وصعود الصين وعودة روسيا إلى المشهد العالمي لتوسيع هامش المناورة السياسية والاقتصادية.
لهذا السبب تحديداً، تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة “المساومات الكبرى”، لا التسويات النهائية.
قد نشهد تفاهمات جزئية،
وتهدئة مؤقتة،
وتخفيفاً لبعض العقوبات،
وربما إعادة رسم لقواعد الاشتباك…
لكن الصراع العميق على النفوذ والهيمنة في الشرق الأوسط لم ينتهِ بعد.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المفاوضات الأميركية – الإيرانية وكأنها تسير فوق حافة انفجار كبير:
كلما اقترب الطرفان من الحرب… اقتربا أكثر من التفاوض،
وكلما ارتفعت التهديدات… ازدادت الحاجة إلى التفاهم.
لأن الجميع بات يدرك أن أي حرب شاملة هذه المرة قد لا تغيّر إيران فقط… بل قد تغيّر شكل الشرق الأوسط كله.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :