قانون الجنسية اللبناني: بين ثبات النصوص وتحولات السياسة

قانون الجنسية اللبناني: بين ثبات النصوص وتحولات السياسة

 

Telegram

كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر

تُعدّ الجنسية في الفكر القانوني المعاصر الرابط الأسمى بين الفرد والدولة، وهي التعبير الأكثر مباشرة عن مفهوم المواطنة والانتماء. غير أنّ هذا المفهوم، في الحالة اللبنانية، يخرج من إطاره القانوني البحت ليدخل في قلب التوازنات السياسية والديموغرافية والطائفية، بحيث يصبح القانون امتدادًا لحساسية النظام أكثر من كونه مجرد تنظيم للعلاقة بين الفرد والدولة.

يستند قانون الجنسية اللبناني إلى القرار رقم 15 الصادر عام 1925، والذي ما يزال حتى اليوم المرجع الأساسي في تحديد شروط اكتساب الجنسية اللبنانية وفقدانها. وقد كرّس هذا القانون مبدأ النسب الأبوي، بحيث تُنقل الجنسية عبر الأب اللبناني إلى أولاده، أينما وُلدوا، في حين لا يقرّ للمرأة اللبنانية الحق نفسه في نقل جنسيتها إلى أولادها، إلا في حالات استثنائية محدودة جدًا وضيقة التطبيق.

هذا التكوين القانوني، رغم قدمه، لا يزال نافذًا من حيث المبدأ، ما جعله موضع جدل دائم بين مقاربة حقوقية تعتبره تمييزًا صريحًا يتعارض مع مبدأ المساواة، ومقاربة سياسية تعتبره جزءًا من توازنات داخلية دقيقة لا يمكن المساس بها دون تداعيات أوسع على البنية الديموغرافية اللبنانية.

وفي موازاة ذلك، شهد لبنان تطورًا تشريعيًا مهمًا مع صدور القانون رقم 41 لعام 2015، المتعلق باستعادة الجنسية اللبنانية للمتحدرين من أصل لبناني. وقد أتاح هذا القانون لفئات من المنتشرين اللبنانيين وأحفادهم إمكانية التقدّم بطلب استعادة الجنسية وفق شروط إثبات النسب وسجلات النفوس، عبر مسار إداري لدى وزارة الداخلية. ويعكس هذا القانون محاولة رسمية لإعادة ربط الدولة بانتشارها الواسع في الخارج، بما يشكّله من قوة اقتصادية ومالية واجتماعية.

غير أن ملف الجنسية في لبنان لا يمكن قراءته بمعزل عن البنية السياسية للنظام. فالدولة اللبنانية، القائمة على توازنات طائفية دقيقة، تنظر إلى أي تعديل في قانون الجنسية باعتباره مسألة ذات أثر مباشر على المعادلة الداخلية. ومن هنا، يصبح النقاش القانوني مشدودًا دائمًا إلى هواجس سياسية تتجاوز النصوص لتطال فكرة “التوازن الوطني”.

كما يبرز في هذا السياق ملف التجنيس الاستثنائي، الذي جرى عبر مراسيم مختلفة في مراحل متعددة، والذي أثار في أكثر من محطة نقاشًا واسعًا حول المعايير المعتمدة في منح الجنسية، في ظل اتهامات متكررة بغياب الشفافية وتفاوت التطبيق.

إن هذا التشابك بين القانون والسياسة يجعل من قانون الجنسية في لبنان مرآة لأزمة أعمق تتعلق بمفهوم الدولة نفسه. فالمواطنة، بدل أن تكون علاقة قانونية متساوية بين الفرد والدولة، تتحول إلى موضوع تفاوض غير مباشر بين اعتبارات حقوقية وهواجس سياسية.

ومع ذلك، يبدو أن التطور الطبيعي للدولة الحديثة يفرض إعادة فتح هذا الملف في ضوء مبادئ المساواة وحقوق الإنسان، لا سيما في ما يتعلق بحق المرأة اللبنانية في منح جنسيتها لأولادها، وبما ينسجم مع الالتزامات الدولية التي انضم إليها لبنان. فالدولة التي تخشى على توازنها من العدالة، تبقى دولة قلقة على ذاتها أكثر من كونها دولة مستقرة.

في النهاية، تبقى الجنسية في لبنان أكثر من مجرد نص قانوني؛ إنها اختبار دائم لقدرة النظام على التوفيق بين مقتضيات السياسة ومتطلبات العدالة، وبين منطق التوازنات ومنطق الحقوق. والدول التي تنضج مؤسساتها هي تلك التي لا ترى في المواطنة تهديدًا، بل ترى فيها أساسًا لاستقرارها الحقيقي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram