سلام في دمشق: اختبار الدولة بين ذاكرة الوصاية وحسابات الحدود

سلام في دمشق: اختبار الدولة بين ذاكرة الوصاية وحسابات الحدود

 

Telegram

في لحظة ينشغل فيها لبنان بسؤال التفاوض جنوبًا، وبكيفية إدارة الضغط الأميركي والإسرائيلي على مسار وقف إطلاق النار، تبرز زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق بوصفها محطة سياسية لا تقل حساسية عن الملفات المفتوحة على الحدود الجنوبية. فالزيارة لا تتصل بعلاقة عادية بين دولتين جارتين فقط، وإنما تلامس واحدة من أكثر العقد تعقيدًا في الذاكرة اللبنانية الحديثة.

في المبدأ، لا شكّ أنّ السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الخطوة يتركز حول كيفية إعادة تنظيم العلاقة مع سوريا من دون العودة إلى أسر الماضي، ومن دون البقاء أيضًا أسير القطيعة والارتباك. فالمسألة ليست في شكل الزيارة وحده، ولا في جدول أعمالها المعلن، على أهميته، وإنما في قدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع دمشق بمنطق مختلف، يقطع مع إرث الوصاية التي حكمت مرحلة طويلة من العلاقة، ولا يستسلم لمنطق الخصومة المفتوحة.
 
من هنا، تكتسب زيارة سلام إلى دمشق أهميتها، فالرجل الذي وصل إلى السراي محمولًا على خطاب “استعادة الدولة”، يجد نفسه أمام امتحان مزدوج: أن يفتح بابًا ضروريًا مع الجانب السوري لمعالجة ملفات عالقة، وأن يطمئن الداخل اللبناني في الوقت نفسه إلى أن هذا الانفتاح لن يكون ارتدادًا نحو معادلات قديمة تجاوزها الزمن، ولا قفزًا فوق التوازنات الحساسة التي تحكم النظرة اللبنانية إلى سوريا.
 
بين أثقال الذاكرة وضرورات الواقع
 
لم تكن العلاقة اللبنانية – السورية في أي مرحلة ملفًا خارجيًا عاديًا، فهي لطالما صُنّفت علاقة جغرافيا وتاريخ ومصالح متداخلة، لكنها أيضًا علاقة مثقلة بذاكرة التدخلات وما تركته من انقسامات سياسية وشكوك متبادلة داخل لبنان. ولذلك، فإن أي حراك رسمي باتجاه دمشق لا يُقرأ فقط في ضوء مخرجاته التقنية، وما سينتج عنه من تفاهمات، وإنما في ضوء ما يستحضره أيضًا من هواجس سياسية عند شريحة واسعة من اللبنانيين.
 
 
لكن الواضح أنّ الوقوف عند حدود الذاكرة وحدها لم يعد كافيًا لإدارة شؤون البلاد، خصوصًا في ضوء التحديات الراهنة. فلبنان، في واقعه المأزوم، لا يستطيع معالجة ملفاته الضاغطة عبر الشعارات أو القطيعة التامة. هناك حدود برية طويلة لا يمكن ضبطها من طرف واحد، ومعابر غير شرعية تحولت عبر السنوات إلى ثغرات أمنية واقتصادية تستنزف الدولة ومواردها، إضافة إلى ملف نازحين ضاغط على كل المستويات، لا يمكن التعامل معه بجدية من دون تفاهم مباشر مع السلطات السورية.
 
بهذا المعنى، تبرز زيارة سلام لا بوصفها تطبيعًا سياسيًا بالمعنى الذي يخشاه البعض، ولا عودة إلى علاقة غير متكافئة كما يتوجس آخرون، إنما كمحاولة لإخراج العلاقة من ثنائية “الخضوع أو الإنكار”. فالدولة التي تطمح إلى ترميم سيادتها واستعادة حضورها، لا يمكنها أن تتصرف كأن حدودها الشرقية والشمالية غير موجودة، أو كأن ملف النازحين الشائك يمكن حله بعيدًا عن التنسيق المباشر والمؤسساتي، وبمنأى عن صخب المزايدات السياسية والاصطفافات التقليدية.
 
السيادة ككل لا يتجزأ
 
منذ أشهر، يتقدم في لبنان خطاب استعادة الدولة من بوابة الجنوب، مع التركيز على حصرية السلاح وتطبيق القرار 1701، فضلًا عن ترتيب التفاوض الأمني أو السياسي لحلّ المشاكل العالقة. لكن هذا النقاش، على ضرورته القصوى، يبقى ناقصًا إذا لم يُستكمل بسؤال الحدود الشرقية. فالدولة كما يرى كثيرون، لا تُختبر فقط في قدرتها على تثبيت وقف إطلاق النار جنوبًا، وإنما في قدرتها أيضًا على ضبط علاقتها بحدودها مع سوريا.
 
هنا تكمن القيمة السياسية لزيارة سلام، فهي تأتي في توقيت شديد الحساسية، حيث تبدو الدولة اللبنانية مطالبة بأن تثبت أنها لا تتعامل مع مفهوم السيادة على نحو انتقائي. فإذا كان ضبط الجنوب جزءًا من معركة استعادة القرار، فإن ضبط الحدود مع سوريا جزء آخر من المعركة نفسها. ولذلك، فإنّ معالجة ملفات التهريب والتسلل عبر الحدود السورية لا تقل أهمية عن أي ملف آخر يمس الاستقرار الداخلي وقدرة الدولة على ضبط أمنها وحدودها.
 
غير أن التحدي الأكبر يكمن في تحويل نتائج هذه الزيارة إلى مسار مؤسساتي مستدام لا يقتصر على “الصورة”، ولا سيما أنّ طبيعة هذه الملفات تجعلها أكبر من أن تُحسم في زيارة واحدة. فالتنسيق الأمني وضبط المعابر يحتاجان إلى آليات واضحة وإمكانات ميدانية وقرار سياسي صلب، وملف السجناء والنازحين يحتاج إلى ضمانات ومعايير قانونية شفافة، وهو ما سيجعل الزيارة تحت مجهر المراقبة الداخلية للتأكد من جدية النتائج ومداها الزمني.
 
في العمق، تشكل زيارة رئيس الحكومة إلى دمشق اختبارًا حقيقيًا لأسلوب الحكم في هذه المرحلة. فالحكومة التي تواجه ضغطًا من الجنوب، وانقسامًا داخليًا حول التفاوض، وأزمة اقتصادية واجتماعية مفتوحة، تجد نفسها أمام ملف لا يحتمل المزايدات. المطلوب اليوم ليس خطابًا عالي السقف تجاه سوريا، ولا اندفاعة غير محسوبة نحوها، إنما مقاربة واضحة تعيد تعريف العلاقة على قاعدة المصالح المتبادلة واحترام السيادة.
 
الأكيد أن طريق بيروت إلى دمشق لم تعد الطريق القديمة نفسها. سوريا تغيّرت، ولبنان تغيّر، والمنطقة كلها تقف على خرائط متحركة. لذلك، فإن نجاح زيارة سلام لا يكون في فتح صفحة جديدة بأي ثمن، ولا في إقفال صفحات الماضي بالقفز فوقها. النجاح الحقيقي أن تبدأ الدولة من حيث يجب أن تبدأ: من الاعتراف بأن الحدود ليست خطًا جغرافيًا فحسب، إنما امتحان دائم لقدرة الدولة على حماية قرارها المستقل، وتنظيم مصالحها، والخروج من أسر الذاكرة من دون إنكارها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram