الباحثة في العلوم السياسية - ليليان عبد الخالق
في مكتبات العواصم العربية، يقف كتاب رقعة الشطرنج الكبرى لـ زبيغنيو بريجنسكي كوثيقة باردة في ظاهرها، حارة في مضمونها. وعلى رفٍ مواز ، تتردد أفكار برنارد لويس حول شرق أوسط قابل لإعادة التشكيل، لا بوصفه نظرية مجردة، بل كمساحة مفتوحة لإعادة ترتيب القوى.
لسنوات، جرى التعامل مع هذه الأعمال كتحليل استراتيجي قابل للأخذ والرد. البعض قرأها بعمق، آخرون تجاهلوها، وكثيرون اختبأوا خلف تهمة “نظرية المؤامرة” ليتفادوا مواجهة ما تحمله من دلالات. لكن ما يحدث اليوم يعيدها إلى الواجهة لا ككتب، بل كإطارات تفسيرية لما يجري.
حين يتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
حين يتحوّل مضيق هرمز إلى شريان عالمي مهدّد.
وحين تمتدّ خطوط النار من غزة إلى الخليج.
فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام مشهد يتشكّل ببطء منذ عقود.
هذا ليس انفجارًا مفاجئًا، ولا لحظة انفعال دولي طارئة.
إنه مسار طويل من إدارة الصراع، لا من إنهائه، من إعادة توزيع القوة، لا من تثبيتها.
بريجنسكي، بعقل استراتيجي بارد، لم يخفِ منطقه: السيطرة على الفضاء الأوراسي تعني امتلاك مفاتيح النظام العالمي. وفي هذا السياق، لا تُقرأ إيران كدولة عادية، بل كعقدة جيوسياسية تقع عند تقاطع المصالح الكبرى. أما لويس، فقرأ المنطقة من زاوية مختلفة زاوية الهشاشة الداخلية، حيث يمكن للانقسامات أن تتحوّل إلى أدوات تفكيك أكثر فعالية من أي حرب مباشرة.
لكن الخطأ الأكبر لم يكن في هذه الأفكار، بل في طريقة التعامل معها.
إما إنكارها بالكامل، أو تضخيمها إلى حدّ الشلل.
من حرب العراق 2003 إلى اليوم،
لم تتغيّر الخرائط دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من الاهتزازات: دول تُضعف، مجتمعات تُستنزف، وهويات تُعاد صياغتها تحت ضغط الأزمات. لم يكن هناك “زر تفكيك” واحد، بل مسار تراكمي من الانقسامات التي وجدت من يستثمر فيها.
اليوم، تعود المصطلحات ذاتها إلى التداول:
“شرق أوسط جديد”،
“نظام إقليمي مختلف”،
“إعادة توازن القوى”.
تبدو هذه العبارات تقنية ومحايدة، لكنها في العمق تعكس عملية إعادة تشكيل لا تزال جارية بهدوء أحيانًا، وبعنف أحيانًا أخرى.
غير أن القراءة التي تختزل كل ما يحدث في “مخطط خارجي” تبقى قاصرة بقدر القراءة التي تنفي وجود أي تخطيط. الحقيقة تقع في مكان أكثر تعقيدًا:
تقاطع بين استراتيجيات دولية واضحة، وواقع إقليمي هشّ سمح لهذه الاستراتيجيات بأن تجد طريقها.
المفارقة المؤلمة أن المنطقة لم تكن فقط ضحية هذه التحولات، بل جزءًا من شروطها.
الانقسامات السياسية، الصراعات المذهبية، ضعف المؤسسات، وغياب الرؤية المشتركة كلها عوامل جعلت أي تدخل خارجي أكثر تأثيرًا وأقل كلفة.
وهنا تتضح صورة أكثر قسوة:
الخرائط لا تُعاد رسمها فقط في مراكز القرار الدولية،
بل تبدأ بالتشقق من داخل الدول نفسها.
وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان كمرآة مكبّرة لكل هذه التناقضات.
ليس لأنه الأقوى، بل لأنه الأكثر انكشافًا.
بلدٌ يتقاطع فيه نفوذ إيران مع حسابات الولايات المتحدة وأولويات إسرائيل، دون أن يمتلك القدرة الكاملة على ضبط هذا التداخل. وجود حزب الله جعله جزءًا من توازن ردع إقليمي، لكنه في الوقت نفسه قيّده داخل معادلات أكبر من حدوده.
في لبنان، لا تُدار الأزمات فقط بل تتراكم فوق دولة هشّة، واقتصاد منهك، ونظام سياسي منقسم. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة:
حين تجتمع الجغرافيا الحساسة مع الانقسام الداخلي، يتحوّل البلد من لاعب محتمل إلى ساحة مفتوحة.
لبنان اليوم لا يختار موقعه في الصراع بل يُدفع إليه.
ولا يكتب دوره بل يُكتب له.
في لحظة تاريخية كهذه، حيث تتبدّل موازين القوى العالمية مع صعود الصين وعودة روسيا إلى قلب اللعبة الدولية، لم يعد الشرق الأوسط هامشًا، بل ساحة تقاطع لمصالح كبرى. ومع ذلك، لا يزال حضوره في كثير من الأحيان محصورًا في كونه ساحة، لا لاعبًا.
وهذا هو جوهر الأزمة.
ليس السؤال ما إذا كان بريجنسكي ولويس “على حق”،
بل لماذا لم تنتج المنطقة قراءتها الاستراتيجية الخاصة؟
لماذا بقيت تتأرجح بين رد الفعل والإنكار، بدل الانتقال إلى الفعل والتخطيط؟
في زمن تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة الدولية،
لا يكفي أن نقرأ كتب الآخرين،
ولا أن ننتقدها بعد أن تتحوّل إلى وقائع.
السؤال الحقيقي، والذي لا يمكن تأجيله أكثر:
هل تبقى هذه المنطقة مادةً في تحليلات الآخرين،
أم تتحوّل يومًا إلى منتج لرؤيتها الخاصة؟
لأن التاريخ لا يُكتب بالنيات،
ولا يُحسم بالشعارات،
بل بمن يمتلك القدرة على الفهم أولًا… ثم الفعل.
وعندما تتحوّل الكتب إلى رصاص،
والخرائط إلى حرائق،
لا يعود البقاء للأقوى فقط
بل للأكثر وعيًا بما يُكتب عنه… وما يُكتب له.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :