من يكسر الهيمنة أولًا… ومن يتحمّل العاصفة؟

من يكسر الهيمنة أولًا… ومن يتحمّل العاصفة؟

 

Telegram

ليليان عبد الخالق 

لم تبرد بعد رماد المعارك، ولم تجفّ بعد آثار الحرب الشرسة التي اشتعلت بين إيران وإسرائيل، حين بدأت لغة جديدة تُطلّ برأسها من وراء وقف إطلاق النار، لغة لا تحمل نبرة الهدنة ولا تنضح بأريج السلام، بل تنبض بإيقاع من لم يضع سلاحه بعد وإن أسكت مدافعه لحين. فالتصريحات المنسوبة إلى دونالد ترامب، التي تُنذر إيران بأن بنيتها التحتية النفطية "لن تصمد أكثر من ثلاثة أيام"، لا تصدر من فراغ، بل تصدر من رحم مرحلة لم تُحسم بعد، حيث وقف إطلاق النار ليس نهاية المواجهة، بل استراحة المحارب قبل الجولة القادمة.

 

في هذا السياق المشحون، انعقدت في إسلام آباد جولة تفاوضية بين إيران والولايات المتحدة، حملت في ظاهرها بصيص أمل بأن ثمة من لا يزال يُراهن على الدبلوماسية طريقًا للخروج من النفق. لكن تلك الجولة لم تُفضِ إلى جولة ثانية. توقفت المفاوضات عند حدودها الأولى، لا لأن الطرفين لم يجلسا معًا، بل لأن كل طرف جلس وهو يحمل في جيبه شروطه الأقصى ولا شيء غيرها. وحين تجلس قوتان على طاولة واحدة دون أن تتنازل أي منهما عن سقف مطالبها، فالطاولة لا تُنتج اتفاقًا، بل تُنتج حجة إضافية لكل طرف تُثبت أن الآخر لا يريد السلام. وهكذا غادر المفاوضون إسلام آباد وتركوا خلفهم فراغًا أشد خطورة من الحرب المعلنة، فراغًا تملؤه التهديدات ويسكنه سوء التقدير.

 

ما يُميّز هذه المرحلة عن سابقاتها هو طبيعة الهدف. لم يعد الضغط على إيران محصورًا في ملفها النووي أو نفوذها الإقليمي، بل امتد ليطال شريان الحياة الاقتصادية ذاته: قطاع الطاقة. وهذا القطاع ليس ملفًا إيرانيًا داخليًا، بل عصب التوازنات الاقتصادية العالمية. أي اضطراب فيه لا يتوقف عند طهران، بل تمتد تداعياته إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وموازين القوى في ثلاث قارات. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصعيد بحد ذاته، بل في الاستراتيجية التي تقف خلفه: رفع سقف التهديد إلى أقصاه بافتراض أن الطرف الآخر سيُذعن أو يتراجع. وهذه المقامرة تنطوي على خطأ جوهري، إذ تفترض استجابة متوقعة في بيئة غير متوقعة بطبيعتها.

 

في المقابل، لا تتصرف إيران كدولة محاصرة تنتظر مخرجًا، بل كطرف يُعيد رسم موقعه داخل نظام دولي يمرّ أصلًا بحالة من الاضطراب الهيكلي. كل موجة ضغط خارجي تُترجم إلى تعزيز أدوات الصمود: الاقتصاد الموازي، والتحالفات البديلة مع موسكو وبكين، وإعادة توزيع أوراق النفوذ في العراق وسوريا واليمن ولبنان. بكلمة أخرى، التهديد لا يُضعف المعادلة الإيرانية فحسب، بل قد يُعززها.

 

هنا يصبح السؤال أكثر حدّة وأشد إلحاحًا: هل ما يجري محاولة لكسر هيمنة طرف واحد، أم أننا أمام عملية تفكيك تدريجي لمنطق الهيمنة نفسه؟ لأن ما يكشفه العمق هو أن قواعد اللعبة لم تعد مستقرة. التهديدات القصوى لم تعد تُنتج ردعًا مضمونًا، بل باتت تفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة وتُضاعف من احتمالات سوء التقدير. المفارقة أن كل طرف يُقنع نفسه بأنه يقترب من الحسم: واشنطن ترى أنها تشد الخناق وتُعيد ضبط إيقاع المنطقة، وطهران ترى أنها تصمد وتُحوّل الضغط إلى فرصة لإعادة التموضع. وبين هذين التصورين المتناقضين تتسع مساحة رمادية شديدة الخطورة، منطقة لا يملك فيها أحد قدرة الحسم الكاملة، ولا القدرة على التراجع الآمن. وهذه المنطقة بالذات هي حيث تنشأ الحروب غير المقصودة.

 

الخطر الحقيقي في هذه المرحلة لا يكمن في "من يكسر الهيمنة أولًا"، بل في أن محاولات كسرها قد لا تُفضي إلى نظام جديد مستقر، بل إلى حالة مديدة من العواصف المتتالية، حيث تتشابك التهديدات مع ردود الفعل في حلقة لا تنتهي، وتصبح السيطرة على التصعيد أشق بكثير من إطلاقه. وفي هذا السياق، تتحول المنطقة ومعها الاقتصاد العالمي إلى ساحة اختبار مفتوحة لثلاثة حدود متشابكة: حدود القوة، وحدود الصبر، وحدود الخطأ المسموح به.

 

وما بين كسر الهيمنة وتحمّل العاصفة، ثمة ثمن لم يُقدّره أحد بعد.

الباحثة في العلوم السياسية - ليليان عبد الخالق

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram