في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة الوطن العربي: هل لا يزال يشكّل إطارًا جامعًا يمكن وصفه بـ”الوطن الواحد”، أم أنه تحوّل فعليًا إلى مجرد نظام إقليمي مضطرب تتنازعه الانقسامات البنيوية والتباينات الاستراتيجية؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل بات يعكس واقعًا ملموسًا تتجلى مظاهره في تعدد مراكز القرار، وتضارب الأولويات، وغياب التنسيق الفعّال بين الدول العربية.
في هذا السياق، يؤكد إيهاب نافع، رئيس وحدة العلاقات الدولية بالمنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، أن العالم العربي يعيش “أزمة حافزية” عميقة تضرب في صميم القواعد المنظمة للعلاقات بين دوله، سواء على المستوى العربي أو العربي-الإسلامي. فهذه الأزمة، وفق طرحه، ليست ظرفية أو عابرة، بل هي بنيوية تعكس خللًا في إدراك التهديدات، وفي صياغة استجابات جماعية قادرة على مواجهتها.
ويرتبط استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية ليس فقط بعوامل القوة الصهيونية، بل كذلك بحالة الانقسام العربي وغياب رؤية موحدة تجاه كيفية التعاطي مع هذا الملف. فالتباين في المواقف، سواء فيما يتعلق بالدعم السياسي أو المساعدات أو حتى طبيعة العلاقة مع الكيان الصهيوني، أضعف من فاعلية الموقف العربي، وفتح المجال أمام تحولات جديدة في بنية العلاقات الإقليمية.
وحسب إيهاب نافع، من أبرز هذه التحولات بروز مسار التطبيع الذي تجسّد في “اتفاقيات أبراهام”، حيث أقامت عدة دول عربية، بالأخص في الخليج، علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني. وقد اعتُبر هذا المسار نتيجة مباشرة لاختلال ميزان القوى العربي، وانعكاسًا لحسابات أمنية وسياسية ضيقة لم تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات بعيدة المدى على وحدة الصف العربي.
ويشير إيهاب نافع إلى أن العلاقات العربية مع إيران تظل أحد أبرز مصادر التوتر في الإقليم، في ظل تضارب المصالح، وتباين تقييم التهديدات، وتداخل الأزمات في عدد من الساحات. كما أن المواجهة غير المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، انعكست بشكل مباشر على الأمن الإقليمي العربي، وجعلت العديد من الدول العربية، خاصة الخليجية، في موقع المتأثر أكثر من كونه فاعلًا رئيسيًا في إدارة هذه الصراعات.
وفي هذا الإطار، يبرز ملف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة كأحد أكثر القضايا إثارة للجدل. فبينما ترى بعض الدول أن هذا الوجود يشكّل مظلة أمنية ضرورية في ظل التهديدات القائمة، يذهب رأي آخر إلى أنه أسهم في تعقيد المشهد الإقليمي، وجعل بعض الدول العربية ساحةً لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى. وقد كشفت الأزمات الأخيرة بين واشنطن وطهران عن حدود هذا الدور، وأثارت تساؤلات جدية حول مدى قدرة الولايات المتحدة على توفير حماية متوازنة لحلفائها العرب.
وتتعمق هذه الإشكالية مع غياب بدائل واضحة يمكن أن تعوض هذا الدور، سواء من خلال بناء منظومة أمنية عربية مستقلة، أو عبر شراكات إقليمية بديلة. فقد سبق أن طُرحت فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة، غير أن هذه المبادرة لم تجد طريقها إلى التنفيذ، نتيجة تباين الرؤى واختلاف الأولويات بين الدول العربية.
وفي سياق متصل، يشير إيهاب نافع إلى أن بعض القيادات العربية لا تزال تتعامل مع التحديات الراهنة وفق حسابات ضيقة، تركز على المصالح الوطنية المباشرة، دون الأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى تنسيق جماعي لمواجهة المخاطر المتزايدة، سواء تلك المرتبطة بالكيان الصهيوني، أو بالتوترات الإقليمية، أو حتى بإشكالية الاعتماد على القوى الخارجية.
ويؤكد إيهاب نافع ضرورة فتح قنوات تواصل أكثر فاعلية مع إيران، إضافة إلى مراجعة الموقف من الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. غير أن هذه الدعوات تصطدم بواقع معقد، يتسم بتشابك المصالح، وتعدد التهديدات، وصعوبة بناء توافق عربي شامل.
ويشدد إيهاب نافع على أنه يمكن القول إن العالم العربي يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي: فإما أن تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر تماسكًا، يقوم على تنسيق فعّال واستقلالية نسبية في القرار، أو أن تستمر حالة التفكك بما يعمّق الاختلالات القائمة، ويقوّض ما تبقى من مشروع العمل العربي المشترك.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :