منهج التفرّد والاستضعاف تهديد دائم لاستقرار العالم

منهج التفرّد والاستضعاف تهديد دائم لاستقرار العالم

 

 

 

 

رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد - صحيفة الأخبار
يكشف التاريخ أن القوّة والحداثة والتقدّم التقني، فضلاً عن العلوم التقنية المُذهِلة، لا تكفي وحدَها لضمان استقرار المجتمعات الإنسانية وسعادتها. فالعالم الذي يطمح إلى السلام والأمن الدائميْن لا يزال يفتقر إلى مؤشرات تهديه إلى الطريق الذي يقود إلى هذا الهدف النبيل.
 
وبانتظار العثور على تلك المؤشّرات واختبار صدقيتها - ثم اعتماد السير في ضوئها - ستبقى البشرية تكابد الأرق والمعاناة، وتكتوي بنار الظلم والقهر والحروب، وتعاني من تفاوت واسع في مستويات الوعي والمعرفة والقدرة والمعيشة والإدارة والانضباط. كما تستمر الجماعات والدول في حالة من التنافس والصراع والتحدّي.
 
ومع غياب مرجعية نافذة تقرّر ما ينبغي العمل بموجبه، وتفلّت تلك الجماعات والمجتمعات أو بعضها من الاحتكام إلى مثل هذه المرجعية التي ترسم حدود وقواعد فضّ النزاعات وفق قيم الحق والعدل، وتمتلك الشخصيّة القانونية المستقلّة القادرة على تنفيذ أحكامها من دون محاباة ولا استثناءات ولا تمييز، وتفرض احترامها ومهابتها على الأقوياء قبل الضعفاء، ستبقى الشعوب والدول في دائرة القلق على الوجود والحقوق، في ظل تنامي القدرات التنافسيّة من جهة، وتضاؤل فرص الاكتفاء الذاتي، وتفاقم الأطماع والطموحات، وهياج الرغبات والشهوات والميول التسلّطية.
 
وقد كشفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، بوضوح، أن تسطير الأنظمة والقوانين والمبادئ، لا يكفي وحدَه لضبط حركة الدول والشعوب ووقف النزاعات ومنع التعدّيات على الآخرين، ما دام المتحكّم بإدارة النظام الدولي هو الطرف الأكثر قوة ونفوذاً وليس الأكثر التزاماً بالقانون واحتكاماً له.
 
ومن الطبيعي عندما يُخرَق القانون - على فرض مطابقته للعدالة - ولا يلتزم به طرف ما، وتتم محاباته ولا يُصوَّب خرقه ولا تجري عليه أحكام القانون عند المخالفة، أن يكون ذلك مدعاةً لتآكل الثقة بالقانون الدولي وبالقائمين على تنفيذه، وقد يصل الأمر إلى حدّ اليأس من إمكانية دفع الخروقات ومنع التعدّيات واسترداد الحقوق عبر آليات النظام الدولي وإجراءاته. ويكون ذلك إيذاناً وتحفيزاً للتمرّد ولتجاوز القانون من جهة، وتشجيعاً على العدوان وإغراءً للنافذين بمزيد من التسلّط والطغيان، من جهة أخرى.
 
إقامة العدل لا تستقيم تحت وطأة التهديد والابتزاز من الأقوياء تجاه القائمين أو الممثّلين أو العاملين أو المتعاونين من المؤسسة المعنية بتطبيق أحكام القانون الدولي، فكيف إذا كانت المؤسسة هذه مطعوناً أصلاً في صدقيتها وعدالتها ونزاهة تحقيقاتها وإجراءاتها، ومتهمةً بالوقت نفسه بالخضوع لنفوذ الأقوياء ومحاباتهم وعدم المسّ بمصالحهم.
 
ثمّة فارق كبير بين الوثوق بمثل هذه المؤسّسة والتعامل معها أو الركون إليها لأنها الخيار الممكن والمُتاح.
غالبية دول العالم اليوم تتعايش مع المؤسسات الدولية، من دون أن تثق بإدارتها لحماية الأمن والسلم والعدل، ولا بما يصدر عنها، لأنها مؤسسات مُصادَرَة بحكم الأمر الواقع من قوى النفوذ الكبرى المُحصَّنة بموجب القانون الذي أقرّه تقاسم النفوذ في ما بينها، وأذعنت له الدول الحليفة والتابعة ثمّ الناشئة، ليحميها من أي إجراء يناقض مصالحها عبر آلية تستند إلى حقّ الفيتو الممنوح لها، تسلّطاً أو تمايزاً، والذي يخوّلها نقض وتعطيل كلّ قرار وإجراء يتعارضان مع مصالحها وسياساتها.
 
على أن الفيتو الممنوح للدول الكبرى، تستمر فعّاليته ما استمرّت القوّة تتنامى في الدولة صاحبة حق الفيتو. أمّا حين تخبو درجة القوّة عندها، فحينذاك يمكن التعاطي معها وكأنها دولة مجرّدة من القدرة أو الصلاحية لاستخدام ذلك الحق.
ولذلك تعمد حتّى الدول الكبرى، صاحبة حق الفيتو، إلى نسج تحالفات مع دول مثيلة أو أخرى لتحمي حقوقها ونفوذها ولتفرض على الدول المنافسة أن تواصل النظر إلى ثقلها وقوتها وتأخذهما في الاعتبار عند اتّخاذ الموقف في القضايا المتصلة بمصالحها.
 
وهكذا تغدو العدالة منقوصةً واعتبارية في القانون الدولي النافذ، أكثر منها تامةً وفعلية، وينمو الظلم كالفطريات في مختلف الميادين والساحات، من دون ملاحقة أو مكافحة، إلا حين يطاول مصالح النافذين ويَظهر منافساً لسطوتهم. أمّا حين يراوح في دائرة المستضعفين وبلدانهم، يحتل أرضهم ويبيد شعوبهم وينهب ثرواتهم، فلن يكترث لذلك القائمون على أمر تنفيذ القانون الدولي إلا حين تصير الثروات المنهوبة قطعاً لإحدى الدول الكبرى أو النافذة في تلك القارّة أو ذاك المحيط.
 
الانفصام القائم بين قيمة العدالة وسطوة القوّة لا سبيل لمعالجته تماماً، في عالم لا دين فيه، وتزدحم فيه المنافع الخاصة، وتسري الغلبة فيه للأقوى، وإنما جلُّ ما يمكن فعله لاستنقاذ الحقوق وحماية الوجود هو الاجتهاد في امتلاك القوّة قدر المستطاع لدفع المخاطر والتهديدات، حتّى إذا ما توفّر عقل ومنطق وتوازن قوى ومصالح، فإن للشعوب والدول حينذاك أن تجرّب حظّها بتسوية توفّر لعهدها استقراراً قد يطول أو يقصر.
 
العالم اليوم تحكمه تسويات متنوّعة ليس إلّا، ولا تزال القوى أو الدول الكبرى فيه تنزع للسيطرة والغلبة. والعاقل فيها من يريد سيطرةً تشاركية موزّعة النفوذ وملتزمةً بحدود التفاهمات. في ما لا يزال مجانين أقوياء يطمحون إلى التفرّد في السيطرة ولا يضيرهم أن تزول دول أو تُباد شعوب.
 
العقل المادي الغربي المُنتِج لمثل هؤلاء المجانين يبدو أن منهجه النفعي الأناني، هو ما بات يشكّل خطراً على سلام البشرية وأمنها واستقرارها.
 
إعادة النظر في هذا المنهج مسؤولية عامة ينبغي أن يتوفّر لها أهل فكر وسياسة وقانون وعلم، مشهود لهم بالعصامية والنزاهة والإنسانية، وعلى الأرجح أنه يجب أن يتوفّر بينهم أهل دين وخوف من الله القويّ المُطلق سبحانه وتعالى عمّا يُشرِكون.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي