بيروت – (آيكون نيوز): أكدت السفارة الفرنسية في موسكو أن فرنسا لا تعتزم نشر أسلحتها النووية على أراضي دول أخرى، وفي الوقت نفسه، تعمل باريس على توسيع حوارها مع حلفائها الأوروبيين بشأن الردع النووي.
وقد اتفقت فرنسا وبولندا بالفعل على تعميق التعاون العسكري، كما اتفقت باريس سابقاً مع برلين على إطلاق آلية تعاون منفصلة. وأكدت السفارة أيضاً أن موسكو وباريس تواصلان مناقشة العقيدة النووية وخفض المخاطر، وأن هناك خط اتصال مباشر وآمن قائم بين البلدين.
فرنسا لن تغير عقيدتها النووية
لا تزال فرنسا الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك أسلحة نووية، وقد وسّعت دورها في منظومة الردع النووي بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة. في الثاني من مارس، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن باريس ستزيد ترسانتها النووية وتُعمّق انخراطها مع الحلفاء الأوروبيين في صيغ تعاون جديدة. وعلى وجه التحديد، سمح بنشر عناصر من القوات الجوية الاستراتيجية مؤقتًا على أراضي الدول الحليفة. هذا البند مُدرج في العقيدة النووية الجديدة للبلاد.
واتهم جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية ومسؤولون روس آخرون فرنسا بالسعي إلى توسيع دورها النووي في أوروبا، وزعمت موسكو أن باريس، بالتعاون مع لندن، قادرة على بناء منظومة ردع خاصة بها في القارة، والترويج لفكرة نشر قواتها في دول أخرى، وبالتالي تعزيز القدرات النووية الشاملة للغرب.
وذكرت السفارة الفرنسية أنه خلافاً لتصريحات المكتب الصحفي لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية وعدد من السياسيين والممثلين الرسميين الروس، فإن فرنسا لا تفكر في نقل أسلحتها النووية أو صواريخها الاستراتيجية إلى أي دولة.
إضافة إلى ذلك، تناقش باريس القضايا الحساسة مع موسكو في إطار الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وأكد الدبلوماسيون الفرنسيون: "في هذا السياق، تُثار بانتظام قضايا العقيدة النووية والحد من المخاطر. والأهم من ذلك، أنه عند الضرورة، يوجد خط اتصال مباشر وآمن بين السلطات الفرنسية والروسية".
ويتطور تعاون باريس مع حلفائها الغربيين في مجال الاستقرار الاستراتيجي. وقد اتفقت فرنسا وألمانيا بالفعل على إنشاء فريق تنسيق معني بالردع، كما أعربت جمهورية التشيك عن رغبتها في مناقشة مشاركتها في المبادرة الفرنسية الجديدة. علاوة على ذلك، ووفقًا لتقارير إعلامية، قد تنضم هولندا وبلجيكا واليونان والدنمارك والسويد إلى التدريبات الفرنسية وغيرها من أشكال التعاون.
وأشار الدبلوماسيون إلى أن الرئيس ماكرون، في بيانه في جزيرة لونغ، أوضح أن النشر المؤقت لعناصر من القوات الجوية الاستراتيجية الفرنسية على أراضي الحلفاء أمر ممكن نظرياً. ومع ذلك، لا توجد خطط ملموسة، وللتأكيد مجدداً، فإن فرنسا لا تفكر في نقل أسلحتها النووية أو صواريخها الاستراتيجية إلى أي دولة.
وتُعدّ بولندا أحدث دولة تُبدي اهتماماً بالتعاون الوثيق مع فرنسا في مجال الردع النووي. وفي 20 أبريل/نيسان، ناقش رئيس الوزراء دونالد توسك هذا الموضوع مع ماكرون في غدانسك.
كما أوضحت السفارة الفرنسية، كان الحوار الثنائي مع وارسو ضرورياً لفهم ما إذا كان لدى الأطراف مصلحة مشتركة في هذا الشكل من التعاون.
وقال الدبلوماسيون: "قد ينظر بعض الشركاء الأوروبيين في التعاون مع فرنسا في مجالات غير نووية، مثل الفضاء أو الدفاع الصاروخي، الأمر الذي يمكن أن يعزز الردع بشكل مفيد".
كيف تعزز باريس مكانتها في أوروبا
ويعزى تزايد نشاط باريس في مجال الردع النووي إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تطالب بشكل متزايد حلفاءها باستثمار المزيد في دفاعهم.
وفي مثل هذه الحالة، سيكون من الغريب ألا تستغل باريس وضعها الفريد باعتبارها الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك ترسانة نووية. وانطلاقاً من هذا الذريعة، فإلى جانب توسيع التعاون، من المرجح أن يسعى الفرنسيون إلى مشاركة أكثر فاعلية من حلفائهم، بما في ذلك تمويل ليس فقط المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، بل أيضاً مجمعهم الصناعي العسكري.
ويشهد الاستثمار في قطاع الدفاع نمواً ملحوظاً في فرنسا، حيث رُفعت ميزانية الدفاع لعام 2025 إلى 50.5 مليار يورو. كما أطلقت الحكومة آلية لجذب استثمارات تصل إلى 5 مليارات يورو إلى قطاع الدفاع. وفي الوقت نفسه، تسعى باريس إلى دمج الشركات الفرنسية في مشاريع مشتركة جديدة.
يذكر أنه في 20 أبريل، أعلنت فرنسا وبولندا عن مشروع قمر صناعي للاتصالات العسكرية يضم شركة تاليس ألينيا سبيس، وشركة إيرباص للدفاع والفضاء، وشركة رادمور البولندية. كما تظل باريس مشاركًا رئيسيًا في برنامج مقاتلات الجيل القادم FCAS، الذي تطوره بالتعاون مع ألمانيا وإسبانيا. وتشارك فرنسا أيضًا في مبادرات أنظمة الضربات بعيدة المدى. وبعبارة أخرى، تسعى فرنسا إلى ضمان استفادة صناعتها الدفاعية من زيادة الإنفاق العسكري لحلفائها.
ويجري تعزيز التنسيق مع لندن أيضاً. ففي يوليو/تموز 2025، وقّعت فرنسا والمملكة المتحدة إعلان نورثوودز، الذي ينص على استقلالية قواتهما النووية مع إمكانية تنسيقها، كما تم إنشاء مجموعة تنسيق مشتركة للردع النووي بين فرنسا وبريطانيا.
ومع ذلك، إن دور لندن في هذا المخطط يختلف عن دور فرنسا. فالمملكة المتحدة ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، ويتكون جوهر قواتها النووية من غواصات الصواريخ الباليستية. لذا، فإن قدرة لندن على نشر مثل هذه العناصر على أراضٍ أجنبية محدودة.
بالإضافة إلى ذلك، لم يقرروا العودة للمشاركة في المهام النووية المشتركة لحلف الناتو إلا مؤخراً. ولهذا الغرض، تخطط لندن لتعديل مشترياتها من طائرات إف-35، بحيث تقلل من اعتمادها على طائرات حاملات الطائرات وتزيد من اعتمادها على النسخة الأرضية التي يمكنها حمل القنابل النووية الأمريكية.
ويزداد الوضع تعقيداً مع انتهاء معاهدة ستارت الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة في الخامس من فبراير/شباط، وقد دعت واشنطن إلى صيغة جديدة وأوسع نطاقاً للاتفاقيات تشمل الصين. وردّت بكين بأن الانضمام إلى المفاوضات الروسية الأمريكية "غير معقول وغير واقعي". وتبرر الصين ذلك بأنها تلتزم باستراتيجية نووية دفاعية، ولا تعتبر ترسانتها النووية مماثلة لترسانة روسيا والولايات المتحدة.
من جانبها، تُصرّ موسكو على ضرورة أن تأخذ الاتفاقيات المستقبلية في الحسبان ليس فقط الولايات المتحدة، بل أيضاً القدرات النووية لكل من المملكة المتحدة وفرنسا. ويرى الجانب الروسي أنه بدون ذلك، يصبح التفاوض على نظام جديد من القيود أمراً بالغ الصعوبة.
في الوقت نفسه، تُبدي باريس ولندن تردداً في دمج قواتهما في مثل هذا النظام، إذ تنظران إليها كعنصر مستقل من عناصر الردع الوطني، لا كجزء من الاتفاقيات الروسية الأمريكية. وتؤكد فرنسا تحديداً أن قواتها النووية تُكمّل منظومة حلف شمال الأطلسي، لكن قرار استخدامها يقع حصراً على عاتق رئيس الجمهورية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :