بيروت – (آيكون نيوز): عارضت ألمانيا وإيطاليا مبادرة تعليق اتفاقية التعاون مع إسرائيل، التي طرحتها إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا. وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها الاتحاد الأوروبي "معاقبة" إسرائيل على غاراتها العشوائية على غزة وقتل المدنيين، إلا أن المبادرة باءت بالفشل في كل مرة بسبب غياب موقف موحد بين دول الاتحاد.
مبادرة من القاعدة
يعكس قادة إسبانيا وأيرلندا فعلياً رأي الشارع: فالاحتجاجات المناهضة لإسرائيل والاعتداءات على المعابد اليهودية باتت شائعة بشكل متزايد في الدول الأوروبية. وتأتي مبادرة تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل من القاعدة الشعبية. بدأ جمع التوقيعات على عريضة مماثلة على منصة للمبادرات المدنية في 13 يناير/كانون الثاني 2026، وبحلول أبريل/نيسان، حصدت أكثر من مليون توقيع، متجاوزةً بذلك الحد الأدنى المطلوب للنظر فيها من قبل المفوضية الأوروبية.
في السابق، دعت بلجيكا وسلوفينيا وفنلندا وفرنسا وأيرلندا ولوكسمبورغ والبرتغال والسويد إلى مراجعة الاتفاقية مع إسرائيل، إذ اعترفت هذه الدول رسميًا بدولة فلسطين، الأمر الذي أثار رد فعل حادًا من إسرائيل وتصريحات حول تصاعد معاداة السامية في أوروبا. وازدادت حدة الأجواء السلبية المحيطة بإسرائيل بعد بدء العملية في لبنان وإقرار الكنيست في أواخر مارس/آذار قانونًا يقضي بإعدام الفلسطينيين المدانين بالإرهاب دون حق الإفراج المشروط.
وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها الاتحاد الأوروبي تعليق اتفاقية الشراكة. ففي سبتمبر/أيلول 2025، اقترحت المفوضية الأوروبية تعليق البند التجاري من الاتفاقية للضغط على إسرائيل بشأن الحرب الدائرة في غزة. حينها، عارضت ألمانيا والمجر وجمهورية التشيك هذه الخطوة، ما حال دون تحقيق الأغلبية المطلوبة (55% على الأقل من الدول الأعضاء، تمثل 65% على الأقل من سكان الاتحاد الأوروبي) اللازمة لتمرير المبادرة. كما لعبت عقود الأسلحة المهمة مع إسرائيل دورًا بارزًا.
مخاطر حدوث تمزق في إسرائيل
قد يؤدي تعليق عضوية إسرائيل في الاتحاد الأوروبي إلى عرقلة وصولها إلى الأسواق الأوروبية، وتوقف الدعم المالي والتعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا. يُعدّ الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، ففي عام 2024، بلغت نسبة تجارتها مع دول الاتحاد الأوروبي 32% من إجمالي تجارة البلاد. وتجاوزت الواردات من أوروبا الصادرات، حيث بلغت نسبة الواردات من الاتحاد الأوروبي 34.2% مقابل 28.8% من الصادرات الإسرائيلية.
وبينما سيتم استيراد 60% من المنتجات الإسرائيلية إلى أوروبا معفاة من الرسوم الجمركية وفقًا لقواعد منظمة التجارة العالمية، فإن جميع الصادرات الأخرى، بما في ذلك التكنولوجيا والأجهزة الطبية والأدوية الإسرائيلية، قد تخضع لرسوم إضافية تصل إلى 227 مليون يورو سنويًا. كما تواجه إسرائيل خطر فقدان التمويل الثنائي من الاتحاد الأوروبي بموجب سياسة الجوار والتعاون الدولي الأوروبي (NDICI-GE): إذ تلقت تل أبيب 32 مليون يورو بموجب هذا البرنامج خلال الفترة من 2021 إلى 2024.
وقد تفقد إسرائيل أيضًا إمكانية الوصول إلى برنامج "هورايزون أوروبا" العلمي الأوروبي وتمويل أبحاثها. ففي يوليو/تموز 2025، ونظرًا للحصار المفروض على الإمدادات الإنسانية إلى غزة، اقترحت المفوضية الأوروبية تعليق الدعم المالي المقدم لإسرائيل بموجب البرنامج، إلا أن أربع دول من الاتحاد الأوروبي، من بينها ألمانيا، اعترضت على هذه المبادرة. ومنذ عام 2021، خُصص 1.11 مليار يورو بموجب هذا البرنامج لشركات وجامعات وهيئات حكومية إسرائيلية لتنفيذ 921 مشروعًا. ومن بين هذه المشاريع، دُعم 231 مشروعًا من قبل شركات وثيقة الصلة بالجيش الإسرائيلي، بما في ذلك وزارة الدفاع الإسرائيلية، على الرغم من أن البرنامج لا يُموّل الأبحاث ذات الأغراض العسكرية. إن استبعاد إسرائيل من البرنامج لا يعني فقط فقدان المنح الأوروبية، بل يعني أيضًا فقدان إمكانية الوصول إلى البنية التحتية العلمية الأوروبية والتعاون الدولي.
مخاطر حدوث تمزق في الاتحاد الأوروبي
بالنسبة لأوروبا، ينطوي تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل في المقام الأول على خسائر سياسية، فإسرائيل حليف استراتيجي للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، وبفضل اتفاقيات أبراهام، تتمتع بنفوذ على دول الخليج العربي. وتكتسب المنطقة أهمية بالغة للاتحاد الأوروبي، سواءً كسوق واعدة أو كمورد للطاقة والمعادن الأخرى. ويضطر الاتحاد الأوروبي إلى موازنة خطابه، إذ أن الضغط المفرط على إسرائيل قد يؤدي إلى تراجع مستوى العلاقات، وربما إلى فقدان التكتل لنفوذه في الشرق الأوسط، واستبعاده من الوساطة والمشاورات بشأن القضايا الهامة.
وقد يؤثر تعليق الاتفاقية على التعاون العسكري والاستخباراتي الدوليين: إذ تتعاون أجهزة الاستخبارات الأوروبية مع إسرائيل في مجال الأمن السيبراني وتحديد الإرهابيين داخل الاتحاد الأوروبي. كما أن طموحات الاتحاد الأوروبي الدفاعية، التي تدرس إنشاء تحالف عسكري خاص به في حال انهيار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، باتت موضع تساؤل. في عام 2024، زودت إسرائيل أوروبا بنسبة 54% من إجمالي صادراتها من الأسلحة. في الوقت نفسه، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الاعتماد على إنتاج الأسلحة وأنظمة الدفاع داخل التكتل: إذ يوفر برنامج جديد معاملة تفضيلية للدول الأعضاء عند شراء الأسلحة المنتجة داخل الاتحاد الأوروبي.
بالتالي، لا يستفيد الاتحاد الأوروبي من الصراع حول إسرائيل، إذ يؤدي ذلك إلى انقسامات بين دوله الأعضاء، فبينما تؤيد إسبانيا وأيرلندا والدول الاسكندنافية تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، تعارض إيطاليا وألمانيا - أكبر موردي الأسلحة الأوروبيين لإسرائيل - هذا القرار، وكذلك جمهورية التشيك التي تربطها علاقات تعاون عسكري مع الدولة اليهودية. وفي الوقت نفسه، صرّح بيتر ماغيار، زعيم حزب تيسا الفائز في الانتخابات المجرية، بأن بلاده قد تعتقل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا زار المجر. وتُفاقم هذه المواقف المتباينة الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، وتقوّض وحدته، وبالتالي تمنعه من أن يكون فاعلاً على الساحة الدولية.
وبسبب عجز الاتحاد الأوروبي عن الضغط على إسرائيل والامتثال لمطالب المحكمة الجنائية الدولية، التي يُعرقلها فعلياً غالبية أعضائه، يفقد الاتحاد الأوروبي سمعته كمدافع عن القانون الدولي. يسعى أعضاء الاتحاد الأوروبي والأعضاء المنتسبون إليه إلى إيجاد سبلهم الخاصة "لمعاقبة" إسرائيل: فهم يفرضون عقوبات على مسؤولين إسرائيليين، ويقيدون مشتريات الأسلحة الإسرائيلية، أو يقيدون توريد منتجاتهم الدفاعية إلى إسرائيل. مع ذلك، فإنه بعيداً عن هذه الخطوات الرمزية والتصريحات الرنانة، لن يتمكن الاتحاد الأوروبي من العمل كما كان سابقاً، مقيداً بالخلافات. وهكذا، تتحول المخاطر السياسية التي تواجه التكتل إلى مخاطر تتعلق بسمعته.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :